ففتحت في عهده الفتوح، ودخلت الأمم في دين الله أفواجاً: الفرس والروم، وشعوب بلاد الشام، ومصر، وغطى الإسلام الأرض كلها أو كاد ... ونقل إلى المدينة النبوية كنوز كسرى وقيصر، ومع ذلك مات عمر يوم مات شهيداً حميداً مديناً بستة وثمانين ألف دينار!! قام ابنه عبدالله رضي الله عنه بتسديدها عنه بعد أن جمعها من مال آل الخطاب.
ومع كل هذه الفضائل والمناقب قال عند موته: "أرجو أن يكون هذا كفافاً لا لي ولا علي ... والله لو أن بغلة عثرت بالعراق لسئل عنها عمر بين يدي الله عز وجل، والله لو كان طلاع الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه". أي لو كنت أملك مثل جبال الأرض ذهباً لافتديت به الآن مما أحاذر من عذاب الله، فإذا كان عمر رضي الله عنه يخشى من عذاب الله على هذا النحو، وهو من هو رضي الله عنه، فما الظن بأمثالنا ممن لا تحصى ذنوبهم ولا قدم لهم في الإسلام.
ب- عمرو بن العاص رضي الله عنه يبكي -خوفاً من الله- وهو على فراش الموت:
ورأيت أن عمرو بن العاص يبكي وهو على فراش الموت خائفاً من لقاء الله فقد روى الإمام مسلم بإسناده إلى أن ابن شماسة المهري قال: "حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت فبكى طويلاً وحول وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول: يا أبتاه أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا؟ أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا؟ قال: فأقبل بوجهه فقال: إن أفضل ما نعد شهادة أن ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
إني قد كنت على أطباق ثلاث:
لقد رأيتني وما أحد أشد بغضاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم مني، ولا أحب إلي أن أكون قد استمكَنْتُ منه فقتلته، فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار.
فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك. فبسط يمينه. قال: فقبضت يدي. قال: [مالك يا عمرو] قال: قلت: أردت أن اشترط. قال: [تشترط بماذا؟] قلت: أن يغفر لي، قال: [أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله]. وما كان أحد أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه، ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة.