تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم كان بعد ذلك عبد الله بن سبأ على عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه نموذجاً آخر لمنعطف النفاق والخيانة والإفساد في الأرض.

وكان ذو الخويصرة كذلك أحد منعطفات الانحراف التي تعترض مسار الجهاد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يمثل منعطف الخوارج.

وذو الخويصرة هو الرأس الذي تفرعت عنه الخوارج بعد ذلك بفرقها وطوائفها المختلفة، وقد روى قصته البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: (بينما نحن عند رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهو يَقْسِمُ قِسماً، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله اعدل، فقال: ﴿ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبتُ وخسرتُ إن لم أكن أعدل﴾، فقال عمر: يا رسول الله، ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال: ﴿دعه؛ فإن له أصحاباً يُحَقِّرُ أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمِية﴾، إلى أن قال: ﴿يخرجون على حين فُرْقَةٍ من الناس﴾، قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه) (1).

وكما قلنا؛ فإن تلك المنعطفات لا تظهر في أول طريق الجهاد، وإنما يتأخر ظهورها لفترة، وقد يتأخر ظهور بعضها عن بعض.

وهذا أيضاً واضح في سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم، فعبد الله بن أبي بن سلول لم يظهر في أول الجهاد، وإنما تأخر ظهوره إلى غزوة أحد عندما رجع بثلث الجيش، ثم بدأ بعدها يدبر المكائد للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم ظهر كذلك عبد الله بن سبأ على عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه كنموذج آخر للنفاق والإفساد، ليفسد على الأمة دينها بنشره الفتن وتسعيره الحروب بين المسلمين، وليخدم بذلك أعداء الدين والأمة.

وذو الخويصرة لم يظهر في أول الجهاد أيضاً، وإنما تأخر ظهوره لعام 9 هـ (2).

وأما المرجئة فتأخر ظهورهم كثيراً إلى ما بعد فترة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، حيث ظهروا كرد فعل لبدعة الخوارج، وهذا الظهور لم يكن مرتبطاً بالحركة الجهادية في الأرض، وإنما كان مرتبطاً بالحركة السياسية للأمة، ثم اصطدم الإرجاء مؤخراً بالجهاد في واقعنا المعاصر.

(1) صحيح البخاري (3610)، صحيح مسلم (1064).

(2) انظر فتح الباري لابن حجر، (12/ 304).

الجهاد السني .. ومسارات الانحراف! · الصفحة ١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الجهاد السني .. ومسارات الانحراف!ص ١٠