وأما أنه جاء في رواية أنه "التوى بها سنة"، وفي أخرى "بعد حولين"، فيجمع بينهما بأن المدة كانت سنة وشيئًا، فجبر الكسر تارة وألغاه أخرى.
ويجمع بين قوله: "فأخذ بيدي وأنا غلام"، وقوله: "انطلق بي أبي يحملني" بأنه أخذ بيده فمشى معه بعض الطريق وحمله في بعضها لصغر سنه، أو عبّر عن استتباعه إياه بالحمل.
وجمع بعضهم بين كون العطية غلامًا وبين كونها حديقة بالحمل على واقعتين: إحداهما: عند ولادة النعمان، وكانت العطية حديقة، والأخرى: بعد أن كبر، وكانت العطية غلامًا.
إلا أنه يعكر عليه أنه يبعد أن ينسى بشير بن سعد رضي الله عنه مع جلالته الحكم في المسألة حتى يعود إلى النبي ﷺ فيستشهد على العطية الثانية.
وجمع بينهما ابن حجر رحمه الله-بأن عمرة لما امتنعت من تربية النعمان رضي الله عنه إلا أن يهب له شيئًا يخصه به وهبه الحديقة المذكورة تطييبًا لخاطرها، فارتجعها، ولم يقبضها منه أحد غيره، فعاودته عمرة في ذلك فمطلها سنة أو سنتين، ثم طابت نفسه أن يهب له بدل الحديقة غلامًا أو رضيت عمرة بذلك إلا أنها خشيت أن يرتجعه أيضا، فقالت له: "أشهد على ذلك رسول الله ﷺ " تريد تثبيت العطية، وأن تأمن من رجوعه فيها (١)، ويكون مجيئه إلى النبي ﷺ للإشهاد مرة واحدة، وهي الأخيرة.
وغاية ما فيه أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ بعض، أو كان النعمان يقص بعض القصة تارة، وبعضها أخرى، فسمع كل ما رواه فاقتصر عليه.
الوجه الثالث: أن العطية المذكورة لم تنجز، وإنما جاء بشير يستشير النبي ﷺ،
(١) فتح الباري (٥/ ٢٥١)، إعلاء السنن (١٦/ ١٠٠).