المبحث الثاني: أحوال الوقف الذري في الواقع المعاصر (١)
لقد كان الوقف على الذرية قربة لله تعالى، يبتغي الواقف منه مرضاة الله تعالى، ثم الإحسان والبر بذريته، فكان الواقفون بعيدين عن مواطن الشبه والإثم، لم يدر بفكر أحدهم مخالفة أحكام الشرع، أو جعله حيلة لتحقيق أغراضه، ومضوا على ذلك فترة من الزمن، إلا أن بعض الناس كان متخوفًا من أن يكون الوقف طريقًا لقطع المواريث، وقد ظهر ذلك جليًا في العهدين الأموي والعباسي، حيث اتسعت الوقوف ورغب الناس في الأحباس، ولم يعد الوقف قاصرًا على جهة دون غيرها كالمساجد والمساكين، بل تعدى ذلك إلى الإيقاف على المدارس والملاجئ والمكتبات ونحو ذلك كما تقدم، ولكثرة الوقوف وانحراف بعض الواقفين في شروطها فقد افتقر الوقف الذري -الذي أصابه كثير من الانحراف- للمتابعة والاهتمام، فهذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله، أراد أن يرد الأوقاف التي أخرج منها البنات (٢) ومات ولم يفعل ذلك.
وفي عهد الفاطميين كان الظاهر بيبرس -أحد سلاطين مصر- قد فكر في امتلاك الدولة للأراضي، بعد أن وضع عليها ضرائب كثيرة في مصر والشام بسبب حروبه مع التتار، فسلك في ذلك مسلكًا خفيًا لا يدل في ظاهره على
(١) الوقف على الذرية/ كتاب مؤتمر الأوقاف الأول ٢/ ٦٣، أحكام الوقف على الذرية: د. محمد عبد الرحيم الخالد.
(٢) المدونة الكبرى ٤/ ٣٤٥، أحكام الوقف في الشريعة الإسلامية ١/ ٣٧.