كيفما كانت صيغة التحديث (١)، وإن كَانَ عن غَيْر الثقة هُوَ الغالب، رد حديثه حَتَّى يصرح بالسماع، حكاه الْخَطِيْب عن بعض أهل العلم، ونقله الزركشي عن أبي الفتح الأزدي.
الرابع: التفصيل بَيْنَ أن يروي بصيغة مبينة للسماع فيقبل حديثه، وبين أن يروي بصيغة محتملة للسماع وغيره فلا يقبل. وهذا الَّذِي عَلَيْهِ جمهور أَهْل الْحَدِيْث وغيرهم وصححه جمع، مِنْهُم: الْخَطِيْب البغدادي وابن الصَّلَاحِ وغيرهما وهو الحق.
الخامس: قال أبو الحسن بن القطان: «إذا صرح المدلس قُبِل بلا
خلاف، وإذا لم يصرح، فقد قبله قوم ما لم يتبين في حديث بعينه أنَّه لم يسمعه، ورده آخرون ما لم يتبين أنَّه سمعه، قال: فإذا روى المدلس حديثًا بصيغة محتملة ثم رواه بواسطة تبين انقطاع الأول عند الجميع» (٢).
ثانيًا. حكم الْحَدِيْث المدلَّس:
لما كَانَ في حَدِيْث المدلِّس شبهة وجود انقطاع بَيْنَ المدلِّس ومن عنعن
عَنْهُ، بحيث قَدْ يَكُوْن الساقط شخصًا أو أكثر، وَقَدْ يَكُوْن ثقة أَوْ ضعيفًا. فلما توفر على هَذِهِ الشبهة اقتضى ذَلِكَ الحكم بضعفه.
لكن المدلس إذا صرّح بالسماع قُبل حديثه، وإلا فهو مردود.
والمدلس إذا دلس قد يسقط واحدًا وقد يسقط أكثر من واحد.
وأسباب التدليس متعددة، منها: إحسان الظن بمن أسقطوه، وإن كان مجروحًا عند غيرهم؛ وتمشية لروايته.
(١) هذا النوع من التدليس لا يعرف به إلا سفيان بن عيينة وحده، قال ابن حبان في مقدمة صحيحه ١/ ١٦١: «وهذا ليس في الدنيا إلا سفيان بن عيينة وحده، فإنَّه كان يدلس، ولا يدلس إلا عن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد لسفيان بن عيينة خبر دلس فيه إلا وجد ذلك الخبر بعينه قد بيّن سماعه عن ثقة مثل نفسه، والحكم في قبول روايته لهذه العلة - وإن لم يبين السماع فيها - كالحكم في رواية ابن عباس إذا روى عن النبي ﷺ ما لم يسمع منه».
(٢) نقله ابن حجر في " النكت " ٢/ ٦٢٥ و: ٣٩٦ بتحقيقي.