وَبَعْدَ أَنْ خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ الأَشْيَاءِ كُلِّهَا : الأَرْضِ والسَّمَاءِ وَأَصْنَافِ الحَيَوانَاتِ والسَّهْلِ وَالجَبَلِ وَالبَحْرِ . . وَذَواتِها وَخَصَائِصِهَا وَأَفْعَالِها . . ثُمَّ عَرَضَ هذِهِ المُسَمَّيَاتِ عَلَى المَلاَئِكَةِ فَقَالَ لَهُمْ : أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هذِهِ الأَشْيَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِيمَا تَعْتَقِدُونَ مِنْ أَنَّني لَمْ أَخْلُق أَعْلَمَ مِنْكُمْ؟
قَالَتِ المَلاَئِكَةُ : تَنزَّهَ اسْمُكَ يَارَبُّ ( سُبْحَانَكَ ) إِنَّنا لاَ نَعْلَمُ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنا،وَهذِهِ الأَشْيَاءُ لاَ نَعْرِفُها،وَأَنْتَ العَلِيمُ بِكُلِّ شَيءٍ،الحَكِيمُ في خَلْقِكَ وَأَمْرِكَ،وَفِي تَعْلِيمِكَ مَا تَشَاءُ،وَمَنْعِكَ مَا تِشاءُ
قَالَ اللهُ تَعَالى لآدَمَ : أَخْبِرْهُمْ يَا آدَمُ بِأَسْمَاءِ هذِهِ الأَشْيَاءِ فَأَخْبَرَهُمْ . وَلَمَّا ظَهَرَ فَضْلُ آدَمَ عَلَى المَلاَئِكَةِ فِي سَرْدِهِ مَا عَلَّمَهُ رَبُّهُ مِنْ أَسْمَاءِ الأَشْيَاءِ،قَالَ اللهُ تَعَالى لِلْمَلاَئِكَةِ : أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنَّني أَعْلَمُ الغَيْبَ الظَّاهِرَ وَالخَفِيَّ في السَّمَاءِ والأَرْضِ وَأَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَعَلانِيتَكُمْ ( أَيْ إِنَّهُ يَعْلَمُ مَا أَظْهَرُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ قَوْلِهِمْ أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها )،كَمَا أَعْلَمُ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَهُ ( مَنْ نَحْوِ قَوْلِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ إِنَّ اللهَ لَنْ يَخْلُقَ خَلْقاً أَكْرَمَ عَلَيهٍ مِنَّا،فَنَحْنُ أَحَقُّ بالخِلاَفَةِ مِنْ هذا المَخْلُوقِ )،كَمَا أَعْلَمُ مَا انْطَوَتْ عَلَيهِ نَفْسُ إِبليسَ مِنْ حَسَدٍ وَمُخَالَفَةٍ لأَمرِ اللهِ . (1)
ومضت مشيئة الله وقدرته فخلق آدم من صلصال من حمإٍ مسنون،وأمر ملائكته أن يسجدوا له بعد أن سواه بشراً ونفخ فيه الروح. قال تعالى : ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ(28)فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ(29)فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ(30)إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ(31)﴾[الحجر:28-31] .وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ : إِنِّي سَأَخْلُقُ بَشَراً ( هُوَ آدَمُ ) مِنْ طِينٍ يَابِسٍ يُصَلْصِلُ إِذَا نُقْرَ بِاليَدِ،وَقَدْ كَانَ مِنْ قَبْلُ،طِيناً رَطِباً ( حَمَأٍ ) مُتَغَيِّراً،مُسْوَدَّ اللَّوْنِ ( مَسْنُونٍ ) .
وَيَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ أَمَرَ المَلاَئِكَةَ بِالسُّجُودِ لآدَمَ،سَجَودَ تَعْظِيمٍ لاَ سُجُودَ عِبَادَةٍ،حِينَمَا يُسَوِّيهِ وَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ .
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 37)