(إننا نرى أن الطير عندما يموت يقع على الأرض ، ونعرف أن رفع الحجر على الظهر أصعب ويتطلب جهدا ونلاحظ أن القمر يدور في الفلك ، ونعلم أن الصعود في الجبل أشق من النزول منه. ونلاحظ حقائق كثيرة كل يوم لا علاقة لإحداها بالأخرى ظاهرا ، ثم نتعرف على حقيقة استنباطية-هي (قانون الجاذبية) وهنا ترتبط جميع هذه الحقائق فنعرف للمرة الأولى أنها كلها مرتبطة إحداها بالأخرى ارتباطا كاملا داخل النظام. وكذلك الحال لو طالعنا الوقائع المحسوسة مجردة ، فلن نجد بينها أي ترتيب ، فهي متفرقة وغير مترابطة ولكن حين نربط الوقائع المحسوسة بالحقائق الاستنباطية فستخرج صورة منظمة للحقائق)(34).
* * *
إن قانون (الجاذبية) لا يمكن ملاحظته قطعا ، وكل ما شاهده العلماء لا يمثل في ذاته قانون الجاذبية وإنما هي أشياء أخرى ، اضطروا لأجلها-منطقيا- أن يؤمنوا بوجود هذا القانون.
واليوم يلقى هذا القانون قبولا علميا عظيما ، وهو الذي كشف عنه نيوتن لأول مرة ، ولكن . . ما حقيقة هذا القانون من الناحية التجريبية؟ . . ها هو ذا نيوتن يتحدث في خطاب أرسله إلى (بنتلى) فيقول:
(إنه لأمر غير مفهوم أن نجد مادة لا حياة فيها ولا إحساس وهى تؤثر على مادة أخرى مع أنه لا توجد أية علاقة بينهما)(35)
* * *
فنظرية معقدة غير مفهومة ولا طريق إلى مشاهدتها ، تعتبر اليوم بلا جدال حقيقة علمية! ! ! لماذا؟ . . لأنها تفسر بعض ملاحظاتنا فليس بلازم إذن أن تكون الحقيقة هي ما علمناه مباشرة بالتجربة ، ومن ثم نمضى إلى القول بأن العقيدة الغيبية التي تربط بعض ما نلاحظه ، وتفسر لنا مضمونه العام-تعتبر حقيقة علمية من نفس الدرجة! . .
* * *
يقول البروفيسور ماندير:
(القول بأننا عرفنا الحقيقة يعنى: أننا عرفنا معناها ، وبعبارة أخرى: أننا بحثنا عن وجود شيء وعن أحواله ففسرناها ، وأكثر عقائدنا تدخل في هذا النطاق فهي في الحقيقة: (تفسيرات للملاحظة).