إننى أقر هنا بعجزي عن إقناع أولئك الذين ينطوون على التعصب الأعمى للتفسير المادي بحقية الدين ، ولهذا التعصب جذور عميقة كما يقول عالم أمريكي: (إن كون العقيدة الإلهية معقولة وكون إنكار الإله سفسطة لا يكفى ليختار الإنسان جانب العقيدة الإلهية فالناس يظنون أن الإيمان بالله سوف يقضى على حريتهم ، تلك الحرية العقلية التي استعبدت عقول العلماء واستهوت قلوبهم ، فأية فكرة عن تحديد هذه الحرية مثيرة للوحشة عندهم (29).
وبناء على هذا يدعى جوليان هكسلى أن فكرة النبوة (هي إظهار للتفوق بطريقة شاذة لا يمكن احتمالها) ؛ إذ أن معنى الإيمان بنبى أن نؤمن بكلامه على أنه كلام الإله ، ثم نمتثل-طوعا أو كرها-لكل ما يأمر به.
ولكن إذا كان الإنسان مخلوقا وليس خالقا ، عابدا وليس معبودا. فكيف يستطيع أن يقضى على الحقائق بمجرد أفكار نبتت في عقله؟ . . إننا لا نستطيع أن نغير الحقائق وإنما نستطيع أن نعترف-أو نؤمن بها-فحسب. وإذا كنا لا نحب أن تكون عاقبتنا عاقبة النعامة ، فأفضل خيار لنا أن نسلم بالحقيقة قبل أن تفوت الفرصة نهائيا.
إن كفرنا بالحقيقة لن يسيء إلى قضيتها ولكن الخسران كله سوف يكون من حظنا في الآخرة.
* * *
الباب الثالث
طريقة الاستدلال العلمي
إن قضية العصر الحاضر ضد الدين هي قضية طريقة الاستدلال ، أعنى الطريقة الجديدة التي كشفها العلم الحديث بعد التطورات في ميادينه العديدة ، بحيث لم تعد تقف أمامها دعوى الدين وعقائده. هذه الطريقة الجديدة هي معرفة الحقيقة بالتجربة والمشاهدة على حين تتصل عقائد الدين بعالم ما وراء حواسنا ولا يمكن إخضاعها للتجربة ، (فالدين له مبنى على قياس واستقراء)(30) ، وهذا هو ما يجعله باطلا لأنه ليس له أساس علمي.