ولو تعاون الجنسان على البر والتقوى لاستفاد كلاهما من خصائص الآخر، وانتفع الإسلام بهم أجمعين، لكن المؤسف أن العنصر الذى ينبت منه الحكم تغريه القوة بالبطش، وبقاء الحكم فيه إلى الأبد يضفى عليه مهابة لا يستحقها ويلحق بالآخرين معرة يستنكفون من وصمتها وقد جر هذا وضع الباطل إلى باطل آخر، ظلت بذرته تنمو مع الزمن!. وخصوصا أن توارث الخلافة فى بيت واحد بدأ يؤتى ثماره الفجة، فتولى الملك رجال سفهاء، وتطرف الخيال إلى الدماغ الذى يدير شئون الإسلام فى مشارق الأرض ومغاربها! فترنح الجسم كله على شفا هاوية، وكان هذا يحدث فى بلادنا بينما كانت دول أوروبا تلم شعثها وتنظم شئونها وتهتز بنهضة علمية بعيدة المدى. قال المؤرخون فى أسباب انهيار الدولة العثمانية: " بعد أن كان ولى العهد يتدرب من صغره على حكم الولايات وقيادة الجيوش أصبح يحبس فى قصر بالعاصمة، ويمنع من الاتصال بأصدقائه، ويبث حوله الجواسيس، ولا يبرح مكانه إلا ليعتلى عرش السلطنة وهو لا يعلم من أمورها شيئا. ولا ينتظر من سلطان قضى شبابه فى قصر- هو إلى السجن أقرب- أن يشرف على الإدارة وينظر فى مصالح الرعية ويقود الجيش كما كان يفعل أسلافه. بل كانت النتيجة المنطقية أن أكثر السلاطين الذين جاءوا بعد سليمان القانونى كانوا يقتلون إخوتهم بمجرد اعتلائهم العرش، وكانوا يقضون حياتهم فى القصور بين حاشية كبيرة العدد من الجوارى والخصيان عاكفين على ملذاتهم من لهو وشراب، تاركين إدارة الشئون فى يد الحظية التى تتسلط على أفكارهم. ومن أمثلة ذلك أن جارية من أهل البندقية اتخذها " مراد الثالث " ضمن حريمه، وارتقت حتى صارت السلطانة، وما لبثت حتى أصبحت المسيطرة على سياسة الدولة الداخلية والخارجية، وبقيت السلطة فى يدها ثمانية وعشرين عاما تعين من تشاء للصدارة العظمى وغيرها من الوظائف الكبرى. 208
الإسلام والإستبداد السياسي · الصفحة ٢٠٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
الإسلام والإستبداد السياسيص ٢٠٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي