الصدور، تؤازره في ذلك النفس الأمارة بالسوء من ناحية وشياطين الإنس المندسين في الصفّ المسلم من جهة أخرى!
لقد كانت دولة المسلمين وقوتهم تمثّل - حاليًا - تهديداً مستمراً واضحًا لطرق قوافل المشركين وخطراً على مكانتهم بين العرب وتشكّل - مستقبلًا - تهديدًا بزوالهم وفنائهم إلى الأبد.
وكان المشركون يفهمون ذلك، ويفهمون أيضًا أنّ فرصتهم في القضاء على الإسلام ودولته تقلّ وتتضاءل كلّ يوم أكثر وأكثر، ولهذا حرصوا على أن تكون الضربة التي يوجهونها لهم اليوم ضربة قاضية وأخيرة ومن ثم لجأوا إلى التحالف مع كل من له مصلحة في القضاء على المسلمين.
كان جيش الأحزاب يتألف من عشرة آلاف تقصد المدينة وليس فيها يومئذ إلا ثلاثة آلاف مقاتل، "فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أجمعوا له من الأمر، استشار أصحابه، وقد أشار عليه سلمان الفارسي بحفر الخندق في المنطقة الوحيدة المكشوفة أمام الغزاة، أما الجهات الأخرى فكانت كالحصن تتشابك فيها الأبنية وأشجار النخيل وتحيطها الحرات التي يصعب على الإبل والمشاة التحرك فيها (1).
ووافق الجميع على هذه الفكرة لعلمهم بكثرة الجموع القادمة لحربهم، وشرعوا في حفر الخندق الذي يمتد من أجم الشيخين طرف بن حارثة شرقاً حتى المذاذ غرباً، وكان طوله خمسة آلاف ذراع، وعرضه تسعة أذرع، وعمقه من سبعة أذرع إلى عشرة. وكان على كل عشرة من المسلمين حفر أربعين ذراعاً، والأنصار من حصن ذباب إلى جبل عبيد في الغرب.
وعمل المسلمون في الحفر على عجل، يبادرون قدوم القوم، وقد تراوحت مدة الحفر ما بين ستة أيام وأربعة وعشرين يوماً. فعند ابن عقبة استغرق قريباً من عشرين ليلة، وعند الواقدي أربعاً وعشرين ليلة، وفي الروضة للنووي خمسة عشر يوماً، وعند ابن سعد ستة أيام.
(1) انظر: مغازي الواقدي: (2/ 444) , والطبقات الكبرى، ابن سعد: (2/ 66).