ولكن الذي أحب أن أذكر به هو الامتحان الذي وراء هذا الامتحان، وأعني به الامتحان الذي يلي دخول القبور «بوابة البرزخ»، وهو فتنة القبر ونتيجتها وما يترتب على تلك النتيجة من النعيم أو العذاب، فقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن هذه الأمة تُفتن، أي: تُمتحن في قبورها، ولا ينجو من هذا الامتحان إلا الذي يموت مرابطًا في سبيل الله تعالى، وأفضل من المرابطين الشهداء، وأفضل من الصنفين النبيون والمرسلون عليهم الصلاة والسلام.
فإن الميت إذا وُضع في قبره، وتولى عنه مشيّعوه بعد دفنه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم لقرب انصرافهم منه، أتاه ملكان فيقعدانه، فيسألانه ثلاثة أسئلة تحتاج إلى إجابات صحيحة، ولا يكون ذلك إلا بتثبيت من الله، وسبب التثبيت الإيمان بالله تعالى، ثم الاستقامة على الشرع في هذه الحياة عن علم صحيح ونية خالصة لله تعالى.
فالسؤال الأول: من ربك؟ وهو سؤال عن التوحيد، وهو الاعتقاد الجازم بتفرد الله تعالى في ربوبيته وألوهيته، وكماله في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله واستحقاقه للعبادة وحده لا شريك له، وابتغاء وجهه في القصد والقول والعمل، فهو سؤال عن الإخلاص لله تعالى في العبادة في هذه الحياة، واعتقاد بطلان ربوبية وإلهية من سواه والكفر به حال الحياة.
والسؤال الثاني: ما دينك؟ وهو سؤال عن رضا العبد بدين الإسلام دينًا، واستقامته به قولًا وعملًا واغتباطه بذلك، وأنه لم يكن يبتغي دينًا سواه.
والسؤال الثالث: من نبيك؟ وهو سؤال عن الرضا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - نبيًا رسولًا رضىً يقتضي طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا على طريقته وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - فلا يخرج عن دينه وشريعته، وهجران البدع وأهلها والبراءة منهما.