تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإذا ربينا الطفل على هذه المبادئ –وتلك مهمة تقوم بها الأسرة دون قهر من الدولة ولا تجسس منها- أصبح لدينا أفراد متوازنون، ينشئون بطريقة ذاتية مجتمعاً متوازن الأركان، يقوم على الحب لا على البغضاء (1).

ولكن الإسلام، مع اعتماده الشديد على هذه التربية الفردية في إقامة المجتمع الصالح، لا يستطيع أن يكل إليها وحدها تنفيذ المبادئ الإسلامية كاملة. فلا بد من أنظمة خارجية تقوّم تلك التربية الخاصة، وتعاون على تركيزها وتثبيت أركانها.

ومن هنا يلجأ الإسلام إلى إقامة نظمه كلها في سياسة الحكم وسياسة المال على أساس من الشريعة الإسلامية. وقد أشرت في مرة سابقة إلى أن القانون الإسلامي يختلف في طبيعته عن كل القوانين الأرضية الأخرى، في أنه لم تضعه طبقة لصالحها الخاص، ضد طبقة أخرى، ولا فرد لمصلحته ضد بقية الأفراد. وإنما هو الله الذي وضعه وأنزله. ولا يمكن بداهة أن يكون الله سبحانه قد حابى فرداً على حساب فرد أو طبقة على حساب طبقة، لأن الناس جميعاً بالنسبة إليه سواء، هو الذي خلقهم وإليه مرجعهم، لا يتميزون عنده إلا بالتقوى. فإذا كان القرآن يقول: "وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ" "وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ" فهذا تقري للأمر الواقع لا في المجتمع الإسلامي وحده، بل في كل مجتمع على ظهر الأرض. والمجتمع الشيوعي ذاته، الذي زعم أنه سيطبق المساواة المطلقة، يعترف بأن المهندسين لهم امتيازات خاصة، ليست لبقية "الطوائف" لأنهم يقومون بخدمات جليلة في النظام الصناعي تبيح لهم هذا الامتياز، كما يقول الشيوعيون مفاخرين: إن رجال الأدب والفنون هم "الطبقة" المميزة في الاتحاد السوفيتي، لا في الأجور فحسب، بل في كل متع الحياة.

وإذا كانوا يماحكون بعد ذلك في طبيعة هذا الامتياز ومداه، فالمهم –من حيث المبدأ- أن التمييز موجود، وتلك هي السنة الطبيعية ما دام الناس مختلفين في استعداداتهم ومواهبهم. ولكن هذا الامتياز في الإسلام لا يبيح لأحد حقاً إنسانياً أكثر من غيره من الأفراد. فأفقر فقير في الأمة الإسلامية له نفس الحقوق البشرية التي لغيره، أياً كان غيره. له حصانة الدم والعرض والمال والكرامة الإنسانية. له أن يقول للحاكم كما قال رجل من المسلمين لعمر بن الخطاب: "والله لو وجدنا فيك اعوجاجاً لقومناه بحد السيف" فلا يغضب عمر ولا يعتبر ذلك إهانة، بل يحمد الله على هذه الروح المعجبة التي أشعرت هذا الرجل بإنسانيته الكاملة أمام الحاكم ذي السلطان، فيقول راضياً مغتبطاً: "الحمد لله الذي جعل في أمة عمر من يقوّمه بحد السيف"! والحصانة التي جعلت عمر يقول "اسمعوا وأطيعوا" فيقول له فرد من المسلمين "لا سمع لك علينا ولا طاعة". فإذا سأله "ولم؟ " طلب منه أن يبين من أين له ذلك الثوب الذي يكتسي به، وهو رجل طوال، لا يكفيه البرد الذي ناله كفرد من المسلمين، فلا تأخذ عمر العزة بسلطان الخلافة، بل يبتسم وينادي ابنه عبد الله فيسأله: "نشدتك الله! هذا البرد أهو بردك؟ " فيقول عبد الله: إنه تبرع بنصيبه لأبيه ليتسنى له الحصول على ثوب يناسبه. فعند ذلك يقول الرجل: "الآن مر، نسمع ونطع! "

(1) لفرويد رأي في أن الإنسانية تقوم على مشاعر الكره، أو بالأحرى على الصراع بين الكره الأصيل المكبوت، والحب المفروض عليه من قوة خارجية قاهرة. وقد ناقشت هذا الرأي في فصل قادم عن "القيم العليا" وقلت: إن الرأي الذي أرجحه هو أن الحب أصيل في البشرية، وإنما ينشأ الكره من احتكاك مصالح الأفراد، فإذا استطعنا أن نقلل هذا الاحتكاك إلى آخر مدى ممكن، كان لنا أن نتوقع أن تقوم البشرية على الحب والمودة والإخاء.

الإنسان بين المادية والإسلام · الصفحة ٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الإنسان بين المادية والإسلامص ٩٢