تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي هذه المرة نجد أن الاعتداء موجه من المجتمع إلى أفراده. ووضع المسألة على هذه الضورة يوقعنا في الخطأ الذي يرسم خطأ وهمياً بين المجتمع والفرد. ولكن الذي يحدث في الواقع هو أن فرداً مستبداً أو جماعة من المستبدين، يخضعون لسلطانهم الجائر بقية المجتمع، ويفرضون عليه نظاماً معيناً، تضيع فيه شخصية الفرد المستقلة، ولا يبقى له إلا كونه فرداً في القطيع، يتجه دائماً حيث يراد له، لا حيث هو يريد. فقولنا: إن المجتمع في هذه الحالة يقضي على كيان الفرد مجاز يشبه الحقيقة، لأن المجتمع الذي يستنيم لمثل هذا القهر من حكامه الدكتاتوريين، لا يسمح لفرد من أفراده أن يفكر على طريقته الخاصة، أو يكون له رأي في أمور بلاده أو أمور الدنيا عامة، غير الرأي الرسمي الذي تريده الدولة. والمجتمع يصنع ذلك واعياً في أول الأمر، ثم يصنعه بحكم العادة بعد ذلك. وإن كانت الدولة لا تأمن أبداً أن تظل هذه الاستنامة إلى الأبد، ولا أن يسلم الأفراد كيانهم الذاتي لها عن طيب خاطر، مهما يكن الخير الذي يحصلون عليه من هذا التكتيل الجماعي، المفروض عليهم بسلطان القانون وجبروته. ولذلك فهي تلجأ إلى وسائل شتى تختلف بين اللين والشدة، تحاول بها أن تستولي على أرواح القطيع، فينقاد إليها رغباً ورهباً.

فهي أولاً تشرف إشرافاً كاملاً دقيقاً على تربية الأطفال، في محاضنهم أيام الطفولة المبكرة، ثم في مدارسهم الابتدائية والثانوية، ولا تتركهم حتى في الجامعة. بل تظل تشرف عليهم وتراقبهم في حياتهم العملية، سواء كانوا عمالاً في المزارع والمصانع، أو كانوا معلمين أو مهندسين ... أو أي لون من الحرف والفنون.

وحين تتسلم الدولة الطفل منذ منشئه، تعمل على أن تبذر في نفسه الغضة الطيعة أن النظام القائم هو خير نظام أخرج للناس على الأرض، وأن كل ما سواه منحط متأخر. وتتفنن في ذلك بكل الوسائل الممكنة، حتى ينطبع الطفل انطباعاً لا شعورياً على "حقائق" معينة، لا يناقشها، بل لا يفكر في مناقشتها حين ينضج فكره في المستقبل.

وتبذل الدولة جهداً ضخماً في ذلك، حتى تتوصل إلى الربط الكامل بين ذاتية الفرد وبين النظام الذي يعيش فيه، بحيث لا يحس أن له وجوداً –أو يمكن أن يكون له وجود- إلا في داخل هذا النطاق المرسوم، وأنه لو خرج عنه تهددته الكوارث وتخطفته الأعاصير، كالسمك إذا خرج من الماء، أو الطير الغض لو خرج من العش!

وهي تمد هذا الارتباط اللاشعوري بين كيانه وكيان النظام، برصيد ضخم من الدعاية تستغل له كل وسائل الإعلام، من صحف وسينما وإذاعة وكتب ... الخ.

ثم لا تكتفي بذلك كله؛ فقد يندّ بعد هذا المجهود الجبار فرد أو أفراد، لا تفلح فيهم التربية، ولا تؤتي ثمارها المرجوة! فعند ذلك تلجأ الدلولة إلى المراقبة، عن طريق الجاسوسية التي تشكك الوالد في ولده، والولد في أبيه، والزوج في زوجته، والأخ في أخيه، فضلاً على زمالة العمل في المصانع أو الدواوين. فعندها لا يجسر أحد أن يبوح بغير ما تريده الدولة من أفكار، وتقبر أولاً بأول كل فكرة ناشزة أو تفكير مستقل. وإلا فالموت لمن يعارض، والويل لمن يثور!

ورغم ذلك فإن الأمور لا يمكن أن تستقيم بهذا الوضع من الناحية النفسية. فالفرد مجبول على أن يحس بذاتيته، وفي نفسه نزعات فردية لا يمكن القضاء عليها ولا بقوة الحديد والنار ... لذلك تلجأ الدول الدكتاتورية إلى إطلاق حرية الفرد في الميدان الحيواني، لتعوض عليه ما سلبته من حرية وإرادة في ميدان العمل وميدان الفكر والشعور، ولتنفس عن الطاقة المكبوتة في نفوس الأفراد، لكي لا تتجمع وتتكتل، فتكون خطراً على الدولة والنظام!

الإنسان بين المادية والإسلام · الصفحة ٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الإنسان بين المادية والإسلامص ٨٦