فالنتيجة الحتمية لذلك هي أن يعيش الفرد حياته كلها في صراع مستمر، بين سطوة العقيدة وسطوة النوازع الفطرية. وينقضي العمر في شقاء لا يتيح للإنسان أن يستمتع بطيبات الحياة.
وليس عجيباً إذن –مع هذا التعارض الواضح بين هذا التعاليم وطبيعة الأحياء- أنها لم تطبق أبداً في واقع الحياة. إلا في أفراد قلائل، هم الذين ترهبنوا واعتزلوا الحياة كلها، لأن هذه هي الطريقة الوحيدة –في نظرهم وفي واقع الأمر- التي يستطيعون بها أن ينفذوا التعاليم الكنسية على الوجه الأكمل المطلوب.
ولعله من حسن حظ البشرية أن كان تطبيقها في هذا الحيز المحدود؛ وإلا فأي كارثة كانت تصيب الإنسانية، لو أن الناس كلهم قد اعتزلوا في الصوامع والأديرة، فانقطعت الحياة بانقطاع النسل، ووقف التقدم البشري كله بانصراف الرغبة عن الحياة الدنيا، إطاعة لأوامر السماء؟!
وإذا كانت المسيحية –لأسباب سياسية وتاريخية- قد انتشرت في رقعة كبيرة من الأرض، فإنها مع ذلك لم تطبق تطبيقاً عملياً، وإنما بقيت في حدود الكنيسة لا تبسط ظلها على الأحياء إلا وهم خاشعون في صلاتهم، يسمعون التراتيل الساحرة والصلوات المؤثرة، فإذا انطلقوا بعد ذلك إلى أعمالهم، انطلقوا إليها بشراً لا مسيحيين: لا يدير أحدهم خده الأيسر لمن لطمه على خده الأيمن؛ ولا يقلع أحدهم عينه ويلقيها عنه لأنها تعثره؛ ولا يرضى بأن يهلك عضو واحد من أعضائه تكفيراً عن إثم من الآثام!
وهكذا ظلت المجتمعات الأوربية –المسيحية- تعيش في ظل القانون الروماني، وبتعاليم الإمبراطورية الرومانية الوثنية، وإن كانت –في الظاهر- تعتنق المسيحية، وتقاتل من أجلها بين الحين والحين، في همجية ووحشية، كما حدث في الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش.
على أن عدم تطبيقها بحذافيرها لم يخفف من آثار تعارض التعاليم الكنسية مع الطبيعة البشرية، بل ظل الصراع النفسي قائماً في نفوس المسيحيين، حتى تخلصوا من الدين كله جهرة في العصر الأخير كما سيجيء، ذلك أن التعاليم الذي تلقى في الصبا تترك أثرها الذي لا يمحى من النفوس. وليس معنى عدم إطاعة هذه التعاليم حين يكبر الفرد، ويستقل بنفسه عن سلطان أبويه، أو سلطان المدرسة والطنيسة، أن المسألة قد انتهت، وأن الصراع الدفين قد استقر. وذلك أمر حققه المحللون النفسيون بما لا يدع شكاً في صحته، وأثبتوا أن العقد التي تصيب أفراد العالم المسيحي يرجع أغلبها إلى سلطان الدين، حتى ولو لم يكونوا في كبرهم متدينين!
ولعل القائل أن يقول: إن هذا شأن الدين كله، لا شأن المسيحية الكنسية وحدها في هذا المجال!
وهذا خطأ وقع فيه علماء النفس الغربيون عن جهل أو سوء نية، وقلدهم فيه أغلب المشتغلين بعلم النفس في الشرق الإسلامي، فصاحوا مع الصائحين: إن الدين جميعاً مخالف لطبائع البشر، فلننزع عن النفوس سلطانه، ولنحررهم من أغلاله، حتى يشعر الناس بالسعادة ويستمتعوا بالحياة.
وإن هدف هذا البحث أن يثبت أن نظرة الإسلام إلى النفس الإنسانية هي النظرة التي تتسق مع الطبيعة البشرية وتسايرها. وقد تحدثت عن ذلك بالتفصيل في الفصل الخاص بنظرة الإسلام. ولكني أكتفي هنا بكلمة مجملة: هي أن الإسلام يعترف بالكائن البشري كما هو –بنوازعه وميوله الفطرية- ولكنه يهذبها ويضع لها الحدود في الدائرة التي تتحقق بها مصالح المجتمع ومصالح الفرد ذاته. وأنه إذا كان يطلب من النفوس أن تتسامى وتترفع، فإنه لا يفرض هذا فرضاً، بحيث يعتبر المخالف له مذنباً أمام الله وفي نظر الشرع، وإنما هو يفرض فقط الحد الأدنى التي لا تصلح بدونه الحياة، وبترك المجال بعد ذلك للسمو والتطهر، تطوعاً لا فرضاً. فلا يثقل على النفوس، ولا يقهر نوازع الحياة في الأحياء.
* ... * ... *