تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وليست دعوة "الوجودية" المنتشرة في فرنسا، إلا امتداداً ساماً لإيحاءات نظرية فرويد. فهي تدعو إلى تحطيم كل قيد يقف في سبيل تحقيق ذاتية الفرد الكاملة، سواء كان هذا القيد من دواعي السماء أو الأرض. فليفعل كل إنسان ما يبدو له هو شخصياً أنه حق، ولو خالف كل ما اصطلح عليه الناس، ولو خالف العقل والمنطق أيضاً، فتلك من القيود التي فرضتها "الذات العليا" على الفرد إطاعة لقوانين المجتمع. وإنما ينبغي أن ينطلق "اللبيد" الحيواني الشهواني حيث شاء الانطلاق! وليذهب المجتمع إلى الجحيم، ولتذهب معه كل المثل التي تعبت الإنسانية في إنشائها أجيالاً متطاولة من الزمان، إذا كانت لا تجيء موافقة لمزاج هذا "الفرد" المقدس الذات، الذي لا يجوز أن يعتدي على استقلاله شيء ولا أحد، ويجوز له هو أن يعتدي على كل شيء، وعلى كل قيمة من قيم الحياة!

وما الحيوانية الكاملة التي يمارسها الشباب في أوربا وأمريكا من الجنسين "ليتحرروا" من القيود، إلا أثر سام لإيحاءات فرويد في مسألة الجنس.

والصحافة العارية، والسينما العاربة، والقصص الجنسية الصارخة ... وغيرها كثير.

كما نشأ من إيحاءات فرويد لون من الاعتقاد بالجبرية. ولكنها ليست الجبرية الدينية التي كانوا يعيبونها على الشرق المتأخر، والتي ترى بأن الإنسان ليس حراً في تصرفاته لأن الله هو المسيطر، بل هي جبرية نفسية، يؤمن أصحابها بأن الإنسان مسيّر لأن غريزته هي المسيطرة عليه، وهي التي توجه السلوك دون أن تدع للفرد مجالاً للاختيار!

ومن الإيمان بهذه الجبرية حدثت تطورات كبيرة في المجتمع الغربي، فحطمت تقاليده وأخلاقه، وأثرت في قوانينه كذلك، فقد أطلق العنان للفرد –في المسألة الجنسية- يصنع ما يشاء بلا حظر ولا عقاب، لأنه مسكين معذور ... مجبر على ما يفعل. وليس أمامنا إذا منعناه إلا نتيجة واحدة، هي الكبت المدمر للأعصاب!

* ... * ... *

ولو أن أولئك "الهائجين" قاموا يطالبون بتعديل الأوضاع الظالمة في المجتمع المتزمت الذي كانوا يعيشون فيه، وتصحيحها بحيث لا تجور على الحقوق المشروعة للفرد، دون أن يغالوا في تقديس الفرد إلى الحد الذي يجعله المجتمع خرافة "تستعمل من الظاهر" ...

لو فعلوا ذلك لكانت ثورتهم مفهومة ومقبولة.

أو لو أن المجتمع والأخلاق والدين والتقاليد –على إطلاقها- كانت منافية حقاً لطبيعة البشر، ولحقائق علم النفس، لطرحناها جانباً، وتركناها تذهب في ذمة التاريخ.

ولكن من قال إن هذا صحيح؟ بل إن من كلام فرويد ذاته –كما سيجيء في فصل "القيم العليا"- ما يثبت أن ذلك غير صحيح!

إن الرغبة في الانفلات من كل قيد، والإغراق في المتع الجسدية، هي التي أوحت إلى الناس في العالم الغربي بتصديق هذه الخرافة، لأن تصديقها يريحهم من تأنيب الضمير، والشعور بالجريمة، حين يرتكبون هذه الأعمال الحيوانية الخالصة؛ ثم يخادعون أنفسهم مرة أخرى، حين يوحون إليها بأنهم يرتكبون ذلك ليصبحوا متحضرين!

ويتابعهم الببغاوات هنا في الشرق فيقولون: هلموا حطموا دينكم وتقاليدكم وأخلاقكم لتدركوا شيئاً من حضارة المتحضرين!

ألا إنها المغالطة الكبرى لكل حقائق الحياة والنفس البشرية، هي التي أدت بالعالم إلى الحيوانية المتجردة التي ارتكس فيها بغير عذر الحيوان، وبغير حصافة الحياة التي رسمت للحيوان حدوداً معينة تقف عندها غرائزه، ومواسم معينة للنشاط الجنسي، حفظاً لكيانه أن يصيبه التلف والانحلال. أما الإنسان الذي كرمه خالقه ورفعه، وجعل في يده أمر نفسه، فإنه ينتكس اليوم إلى حمأة يتعفف عنها بعض أنواع الحيوان!

الإنسان بين المادية والإسلام · الصفحة ٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الإنسان بين المادية والإسلامص ٢٩