تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد فتلك نظرة الإسلام إلى الجريمة والعقاب.

وهي إذ تراعي حق الجماعة في الطمأنينة اللازمة لكيانها، وتضع لهذه الطمأنينة ما يكفلها من تشريعات، لا تغفل عن دوافع الجريمة في نفس الفرد. ولا تطبق العقوبة عليه حتى تضمن أولاً أن هذه المبررات غير قائمة في شعوره. وهي تعترف بكلا الدوافع الاقتصادية والدوافع النفسية للجريمة، وذلك قبل أن يتشدق بهما المتشدقون في الغرب بما يزيد على ألف عام!

فأين هذه العدالة المطلقة، التي تمسك الميزان من منتصفه، وتعطي كل ذي حق حقه بغير تفريط ولا إفراط، من تخرصات المتخرصين على الإسلام، أو من العدالة الجزئية التي اهتدى إليها الأقزام؟

حقاً إن الإسلام لا يتطرف مع المدارس النفسية التحليلية ليقول إن المجرمين جميعاً مرضى لا يجوز للمجتمع أن يعاقبهم على ما أحدثه فيهم من شذوذ. ولكنه يوجه المجتمع –بكل الوسائل الاقتصادية والنفسية والروحية- إلى حالة لا تسمح بقيام الشذوذ النفسي. فإذا بقيت بعد ذلك حالات شاذة نادرة، وهو أمر لا معدى عن حدوثه أياً كان الجهد المبذول، فما ذنب البريء الذي لم يشترك أي اشتراك في إحداث هذا الشذوذ، حين ترتكب في حقه الجريمة؟ إن العدل ليقضي أن نضع العقوبات التي تخوّف هذا الشخص الشاذ من ارتكاب الجريمة، فيفكر مرات قبل أن يقدم عليها. فإذا كان الشذوذ عنيفاً بحيث يقضي قضاء كاملاً على الإرادة، فقد سقط الحد من تلقاء نفسه، لأن الحد لا يقام إلا على الشخص المسئول.

أما الحالات الخفيفة التي لا تقضي على الإرادة، وتقع فيها المسئولية، فغاية ما يحدث فيها هو "كبت" نوازع الجريمة خوفاً من العقاب. وذلك أخف ما يمكن أن يقع من الإجراءات، حرصاً على سلامة الأبرياء. والإسلام على أي حال يعمل على علاج الجميع بما يصلح نفوسهم، ويستخرج منها دوافع الجريمة قبل أن تقع بالفعل، كلما كان هذا في الإمكان.

ومهما يكن من أمر، فالمجتمع الإسلامي الصحيح هو أقل مجتمعات الأرض لجوءاً إلى العقوبة، لأنه أشدها حرصاً على بناء النفس الإنسانية على وضعها السليم.

الإنسان بين المادية والإسلام · الصفحة ١١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الإنسان بين المادية والإسلامص ١١٦