ولعل أبلغ دليل على أن الإسلام دين وسياسه ، أن طريقته فى اختيار الولاة ، وفى شغل المناصب - العامة ، هى طريقة ممعنة فى الواقعية ، وفى جعل أساس الاختيار هو الكفاءة وحدها ، والمقدرة على تحمل التبعة والقيام بمهام المنصب دون أى اعتبار اخر . ويذهب الإسلام فى هذا الحد إلى أقصى ما يأمر به نظام دنيوى لصلاح الدنيا وأمورها ، " فالواجب فى كل ولا ية الأصلح بحسبها فإذا تعين رجلان ، أحدهما أعظم أمانة ، والاخر أعظم قوة ، قدم أنفعهما لتلك الولاية ، وأقلهما ضررا فيها ، فيقدم فى إمارة الحروب الرجل القوى الشجاع ، وإن كان فيه فجور ، على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أمينا . كما سئل الإمام أحمد عن الرجلين يكونان أميرين فى الغزو ، وأحدهما قوى فاجر ، والاخر صالح ضعيف ، مع أيهما يغزو ؟ فقال : أما الفاجر القوى ، فقوته للمسلمين وفجوره على نفسه ، وأما الصالح الضعيف ، فصلاحه لنفسه ، وضعفه على المسلمين ، فيغزو مع القوى الفاجر . وقد قال النبى صللى الله عليه وسلم " إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " . ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم يستعمل خالد بن الوليد على الحرب منذ أسلم مع أنه كان أحيانا يعمل ما ينكره النبى صلى الله عليه وسلم ، حتى إنه مرة رفع يديه إلى السماء وقال : " اللهم إنى أبرأ إليك مما فعل خالد " لما أرسله إلى جزيمة فقتلهم وأخذ أموالهم بنوع شبهة ، ولم يكن يجوز ذلك ، وأنكره عليه بعض من معه من الصحابة . حتى وداهم النبى صلى الله عليه وسلم وضمن أموالهم . ومع هذا فمازال يقدمه فى إمارة الحرب . لأنه كان أصلح فى هذا الباب من غيره . وفعل ما فعل بنوع تأويل .
وكان أبو ذر رضى الله عنه أصلح منه فى الأمانة والصدق . ومع هذا فقد قال له النبى صلى الله عليه وسلم " يا أبا ذر إنى أراك ضعيفا وإنى أحب لك ما أحبه لنفسى ، لا تأمرن على اثنين ، ولا تولين مال يتيم " رواه مسلم .