وهذا يؤدي بنا إلى القول بالقصد الآخر للعقل المتصل بعقل الأمة المسلمة، أي العامة من المسلمين وعقل جماهيرهم وفئاتهم وأحزابهم وتياراتهم المذهبية والفكرية والسياسية المختلفة، فالأمة لن تقدر على التحرك بكيانها العام ودورها العالمي في القوامة والخيرية والشهادة على العالمين إلا إذا كان لها عقل جماعي، يدرك هذه الأبعاد العالمية والإنسانية والحضارية، ويميز بين سلبيات الانغلاق على الذات والتعصب للمذهب، أو التفتح المهزوم والتقليد الأعمى، وبين التكتل الأصيل والانفتاح المؤثر.
فطبقة العلماء المجتهدين لا يقدرون على توجيه الأمة نحو ما اعتبروه صلاحًا لها واجتهدوا في عده واجبًا أكيدًا في نوازل العصر ومشكلات التنمية الحضارية والتقدم الصناعي والتكنولوجي والإعلامي، إنهم لن يكونوا قادرين على ذلك إلا إذا تهيأت العقول العامة لذلك، وتصححت المفاهيم والتصورات، وانتظمت الأفكار والرؤى وفق منهجية تراعي الأولى والأهم والأصلح والأكثر فائدة، وزالت همومها الفكرية السلبية من تعصب لا مبرر له، ومن تقليد لا وجاهة له، ومن تحلل لا مسوغ له.
إن الاجتهاد في النوازل الخاصة والفتاوى الفردية، قد لا يجد ما يعيقه من العقليات العامة الموجودة حاليًا في العالم الإسلامي، فنرى العامة يستسيغون الكثير من الفتاوى في شؤون التعبد والاعتقاد في الحالات الفردية الجزئية، غير أننا نراهم يعزفون عن استساغة الفتاوى والاجتهادات في النوازل الكبرى للأمة وفي ظواهر ومشكلات المسلمين العامة على نحو وجوب أخذ المبادرة في التنمية والتحصن الثقافي والتزود المعرفي والعلمي، وتأسيس الآلية الإسلامية في الصناعات الثقيلة والخفيفة، وفي الاستصلاح الزراعي والفلاحي، وفي عمارة الأرض وإحيائها، والقيام بمهمة الخلافة الربانية والتكليف الشرعي على أحسن الوجوه وأتمها.