الميل عن طريق الشرك إلى طريق التوحيد، ومنه تسمي العرب الأحنف للرجل الذي في مشيه ميل، فمعنى الحنيف: أي المائل عن طريق الضلال إلى طريق الهدى (١)، وقد وصف الله تعالى إبراهيم عليه السلام بهذا الوصف في غير ما موضع، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣]، فالحنيفية هي: ملة إبراهيم عليه السلام، وبها بعث محمد عليه الصلاة والسلام، فقد بُعث عليه الصلاة والسلام بالحنيفية السمحة.
والملة المقصود بها: الطريقة والسيرة.
وأما إبراهيم عليه السلام فهو أحد أولى العزم من الرسل، وهو أفضل الأنبياء بعد نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو إمام الموحدين في الأولين، وقد اتخذه الله تعالى خليلًا، كما أن الله اتخذ نبينا محمد ﷺ خليلًا، فقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]. والخلة هي أعلى المحبة (٢) وما ذاك إلاّ لأن إبراهيم عليه السلام قد محض العبادة لله رب العالمين فلم يبقَ في قلبه نزعةٌ وميلٌ إلى سوى الله عز وجل، وقد ابتلاه الله عز وجل بمواقف عظيمة أثبتت كمال توحيده لله تعالى، ومن ذلك ما جرى بينه وبين قومه حينما واجههم جميعًا وحاجّهم تلك المحاجة العظيمة حتى وصل به الأمر أن حطم آلهتهم وجعلهم جذاذًا حتى اجتمعوا عليه وقالوا: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٢]. ثم إنهم وضعوا له
(١) قال ابن القيم: "والحنيف الْمقبل على الله المعرض عَمَّا سواهُ وَمن فسره بالمائل فَلم يفسره بِنَفس مَوْضُوع اللَّفْظ وَإِنَّمَا فسره بِلَازِم الْمَعْنى فَإِنْ الحنف هُوَ الإقبال وَمن أقبل على شَيْء مَال عَنْ غَيره والحنف فِي الرجلَيْن هُوَ إقبال إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى وَيلْزمهُ ميلها عَنْ جِهَتهَا" جلاء الأفهام (ص: ٢٦٩).
(٢) مدارج السالكين (٣/ ٢٩٨).