تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المشرق البعيد كما ننظر إلى الواقع الفاسد القريب؟! ما بالنا نجعل من "الواقع" منطلقا في "التفكير" بدلا من جعله منطلقا "للتغيير"؟!

كنتُ قد خلصتُ إلى تعريف عامّ للنهضة في مقالي "معالم النهضة الإسلامية" (1) على أنّها: عمليّة تحرّر من حالة راهنة غير مرضية إلى حالة منشودة وفق مفاهيم الأمة التي تطلب النهوض. فلئن كان هذا هو المعنى العامّ للنهضة كان بديهيّا أن يصبح (ما ينبغي أن يكون) هو ركيزة "التغيير"، وليس (ما هو كائن)، دون تجاهل لما هو كائن؛ فمراعاة الواقع وأحوال الناس أمرٌ لازمٌ لدعاة التغيير، ولكنّنا نقصد أن تكون مبادئ الإسلام هي الصورة التي يهدف التغيير إلى تحقيقها. فإذا كان اعتبار الواقع المطلوب تغييره في النهضة أمرا غير قابل للتجاوز، كانت تلك هي النكبة التي يصاب بها أيّ مشروع للنهضة! فماذا تكون النهضة سوى ذلك الجهد المبذول المتحرّك في المساحة التي بين (الموجود) و (المنشود)؟

إنّ الواقع الذي نعيشه اليوم في العالم العربيّ والإسلاميّ لم ينشأ من فراغ، كما أنّه لم ينبت فجأة حتى يكون تغييره موقوفا على انقلاب سريع على الأوضاع! بل هو واقع منحرف نشأ خلال ظروف تاريخية كثيرة يعود بعضها إلى أكثر من ألف عام، ويعود بعضها الآخر إلى أقلّ من مائة عام! فكان من الطبيعيّ أن تحتاج مشاريع إحياء الأمّة وإنهاضها إلى جهد كبير؛ كي تستطيع إخراج هذه الأجيال المسلمة التي وَعَتْ مفاهيم الإسلام الشرعية، وتمثّلتها في قلوب نابضة بالحق، وتربّت على مقتضياتها حتى رسختْ في ضمائر أفرادها سلوكا حيّا لا مجرد أفكار جامدة!

بقي أن أقول إنّ الكلام سهلٌ في حقيقة الواقع، ولئن كان من الضروريّ وجود "التصوّر" الصحيح، فإنّ ألف كتاب مثل هذا الكتاب، وألف محاضرة في الموضوع، وألف بحث ومقال لن يغيّروا من الواقع شيئًا إنْ لم يوضع كلّ ذلك على محكّ التطبيق الفعليّ، ودون أن يكون "العمل" هو الذي يصدّق ذلك أو يكّذبه.

فاللهَ أسألُ أن يسخّر لهذه الأمّة من أبنائها الدعاة المخلصين الجادّين من يغيّر بهم هذا الواقع، منائرهم علماء أهل السنّة والجماعة العاملين بما في الكتاب والسنّة، وطريقهم محفوفٌ بتخوم الهدى، وجهدهم محفوظ عند ربّ العالمين.

فمن هم أولئك الغرباء الحائزون على شرف هذه المهمّة العظيمة، والمعنيّون بقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلّم: "إنّ الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس" (2)؟

أتكون أنت منهم أيّها القارئ الكريم؟

أسأل الله الإخلاص في القول والعمل، وأسأله أن يهدينا سواء السبيل، والحمد لله ربّ العالمين.

21.11.1432

عكا

(1) منشور على "مدونة أضواء"، وكذلك على "المركز العربي للدراسات والأبحاث".

(2) إسناده صحيح، رجاله ثقات، السلسلة الصحيحة للشيخ الألباني.

الهوية والشرعية · الصفحة ٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الهوية والشرعيةص ٩١