تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذه الدول التي يسمونها متطورة ومتقدمة، وكل الرفاهية الدنيوية موجودة، مع ذلك يوجد الشقاء فيها، حيث الانتحار والقلق والجرائم والفساد والتفكك العائلي، شيء رهيب جداً، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى هل يعني ذلك الأمن أن الإنسان يأمن أنه ليس منافقاً، وليس مشركاً؟

ليس هذا هو المقصود، بل الواجب في هذا أن نخاف منه، يقول الحسن البصري رحمه الله عن النفاق: [[ما خافه إلا مؤمن وما أمنه إلا منافق ]] فالمؤمن يخاف من النفاق، ويقول ابن أبي مليكة وهو من التابعين: [[أدركت ثلاثين -وفي بعض الروايات قال: ثمانين- من أصحاب محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كلهم يخشى على نفسه النفاق ]].

ولهذا لما قال الله تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60] فسرها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -والحديث له طرق يشد بعضها بعضاً- لما سألت عائشة رضي الله عنها: هل هم الذين يزنون ويسكرون ويتبرجون في الأسواق، ويتعاطون المحرمات -والعياذ بالله- فهؤلاء يفعلونها ويخافون من الله، فهل هؤلاء هم المقصودون في الآية؟

لا، هؤلاء ليسوا مقصودين في الآية، بل هم الذين يصلون ويصومون ويحجون ويزكون، ويفعلون الطاعات، ولكن يخافون ألا تقبل منهم.

فإذاً المؤمن مهما اجتهد واستقام فإنه يضل خائفاً، حتى قال بعض الصحابة: [[لو وضعت قدمي اليمنى في الجنة، ما أمنت حتى أضع الأخرى ]] وهذا من شدة خوفهم رضي الله عنهم، فالمؤمن يخاف من هذه الناحية، لكن هو مطمئن -والحمد لله- من ناحية أخرى أنه عرف الله، واطمأن بذكر الله، فهو مرتاح من هذا الجانب.

ولذلك ما أصابه من مصيبة أو هم أو غم أو أذى؛ فإنه دائماً يسكن ويشعر بهذا الاطمئنان الذي لا يجده أحد أبداً إلا من كان مؤمناً بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

ففرق بين هذا وبين هذا.

الحوالي ... دروس فتح المجيد · الصفحة ١٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الحوالي ... دروس فتح المجيدص ١٠١