قَوْلُ أَثِيرِ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ الله مُحَمَّدٍ بِن يُوسُف الأَنْدَلُسِيِّ فِي تَفْسِيرِهَا
" (وَجَاهِدْهُمْ بِهِ) أَيِ الْقُرْآنِ أَوْ بِالْإِسْلَامِ أَوْ بِالسَّيْفِ أَوْ بِتَرْكِ طَاعَتِهِمْ، وَ (جِهَادًا) مَصْدَرٌ وُصِفَ بِـ (كَبِيرًا) ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُجَاهَدَةُ جَمِيعِ الْعَالَمِ، فَهُوَ جِهَادٌ كَبِيرٌ " (1).
قَالَ مُحَمَّدُ الطَّاهِرِ بِن عَاشُورٍ فِي تَفْسِيرِهَا
" وَبَعْدَ أَنْ حَذَّرَهُ مِنَ الْوَهَنِ فِي الدَّعْوَةِ أَمَرَهُ بِالْحِرْصِ وَالْمُبَالَغَةِ فِيهَا. وَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالْجِهَادِ وَهُوَ الِاسْمُ الْجَامِعُ لِمُنْتَهَى الطَّاقَةِ. وَصِيغَةُ الْمُفَاعَلَةِ فِيهِ لِيُفِيدَ مُقَابَلَةَ مَجْهُودِهِمْ بِمَجْهُودِهِ فَلَا يَهِنُ وَلَا يَضْعُفُ وَلِذَلِكَ وُصِفَ بِالْجِهَادِ الْكَبِيرِ، أَيِ: الْجَامِعِ لِكُلِّ مُجَاهَدَةٍ.
وَضَمِيرُ (بِهِ) عَائِدٌ إِلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ: فَإِمَّا أَنْ يَعُودَ إِلَى الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ مَفْهُومٌ مِنْ مَقَامِ النِّذَارَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَعُودَ إِلَى الْمَفْهُومِ مِنْ (لَا تُطِعْ) وَهُوَ الثَّبَاتُ عَلَى دَعْوَتِهِ بِأَنْ يَعْصِيَهُمْ، فَإِنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ كَمَا دَلَّ قَوْلُأَبِي حَيَّةَ النُّمَيْرِيِّ:
فَقُلْنَ لَهَا سِرًّا فَدِينَاكِ لَا يَرُحْ صَحِيحًا وَإِنْ لَمْ تَقْتُلِيهِ فَأَلْمِمِ
فَقَابَلَ قَوْلَهُ (لَا يَرُحْ صَحِيحًا) بِقَوْلِهِ (وَإِنْ لَمْ تَقْتُلِيهِ فَأَلْمِمِ) كَأَنَّهُ قَالَ: فَدَيْنَاكِ فَاقْتُلِيهِ.
وَالْمَعْنَى: قَاوِمْهُمْ بِصَبْرِكَ. وَكِبَرُ الْجِهَادِ تَكْرِيرُهُ وَالْعَزْمُ فِيهِ وَشِدَّةُ مَا يَلْقَاهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَشَقَّةِ. وَهَذَا كَقَوْلِ النَّبِيءِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ - لِأَصْحَابِهِ عِنْدَ قُفُولِهِ مِنْ بَعْضِ غَزَوَاتِهِ: (رَجَعْنَا مِنَ
(1) تفسير البحر المحيط ... » تفسير سورة الفرقان ... » تفسير قوله تعالى ألم تر إلى ربك كيف مد الظل» الجزء السادس