تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فَغَضِبَتْ أَسْمَاءُ وَقَالَتْ: كَلَّا وَاللَّهِ، كُنْتُمْ مَعَ النَّبِيءِ يُطْعِمُ جَائِعَكُمْ وَيَعِظُ جَاهِلَكُمْ، وَكُنَّا فِي أَرْضِ الْبَعْدَاءِ الْبَغْضَاءِ بِالْحَبَشَةِ، وَنَحْنُ كُنَّا نَؤْذَى وَنَخَافُ، وَذَلِكَ فِي اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَايْمُ اللَّهِ لَا أَطْعَمُ طَعَامًا وَلَا أَشْرَبُ شَرَابًا حَتَّى أَذْكُرَ مَا قُلْتَ لِرَسُولِ اللَّهِ، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتَ حَفْصَةَ قَالَتْ: أَسْمَاءُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عُمَرَ قَالَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَمَا قُلْتِ لَهُ؟ قَالَتْ: قُلْتُ لَهُ كَذَا وَكَذَا، قَالَ لَيْسَ بِأَحَقَّ بِي مِنْكُمْ، وَلَهُ وَلِأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَكُمْ أَنْتُمْ أَهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتَانِ.

وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مُتَعَلِّقٌ بِـ غَفُورٌ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمَامِ، وَأُعِيدَ إِنَّ رَبَّكَ ثَانِيًا لِطُولِ الْفَصْلِ بَيْنَ اسْمِ (إِنَّ) وَخَبَرِهَا الْمُقْتَرِنِ بِلَامِ الِابْتِدَاءِ مَعَ إِفَادَةِ التَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ.

وَتَعْرِيفُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ الَّذِي هُوَ اسْمُ (إِنَّ) بِطَرِيقِ الْإِضَافَةِ دُونَ الْعَلَمِيَّةِ لِمَا يُومِئُ إِلَيْهِ إِضَافَةُ لَفْظِ (رَبَّ) إِلَى ضَمِيرِ النَّبِيءِ مِنْ كَوْنِ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ لِأَصْحَابِهِ كَانَتْ ; لِأَنَّهُمْ أُوذُوا لِأَجْلِ اللَّهِ، وَلِأَجْلِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ إِسْنَادُ الْمَغْفِرَةِ إِلَى اللَّهِ بِعُنْوَانِ كَوْنِهِ رَبَّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاصِلًا أُسْلُوبٌ يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ، وَعَلَى الذَّاتِ الْمُحَمَّدِيَّةِ.

وَهَذَا مِنْ أَدَقِّ لَطَائِفِ الْقُرْآنِ فِي قَرْنِ اسْمِ النَّبِيءِ بِاسْمِ اللَّهِ بِمُنَاسَبَةِ هَذَا الْإِسْنَادِ بِخُصُوصِهِ.

وَضَمِيرُ (مِنْ بَعْدِهَا) عَائِدٌ إِلَى الْهِجْرَةِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ هَاجَرُوا، أَوْ إِلَى الْمَذْكُورَاتِ: مِنْ هِجْرَةٍ، وَفِتْنَةٍ، وَجِهَادٍ، وَصَبْرٍ، أَوْ إِلَى الْفِتْنَةِ الْمَأْخُوذَةِ مَنْ (فَتَنُوا)، وَكُلِّ تِلْكَ الِاحْتِمَالَاتِ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْمَغْفِرَةَ وَالرَّحْمَةَ لَهُمْ جَزَاءٌ عَلَى بَعْضِ تِلْكَ الْأَفْعَالِ، أَوْ كُلِّهَا.

وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ فَتَنُوا بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالتَّاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ، وَهِيَ لُغَةٌ فِي افْتَتَنَ، بِمَعْنَى (وَقَعَ) فِي الْفِتْنَةِ " (1).

(1) التحرير والتنوير ... » سورة النحل ... » قوله تعالى ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا» الجزء الخامس عشر

الحسنيان النصر والشهادة · الصفحة ٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الحسنيان النصر والشهادةص ٥٩