قَالَ مُحَمَّدٍ بِن جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ فِي تَفْسِيرِهَا
" الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ " فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81))
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ -: فَرِحَ الَّذِينَ خَلَّفَهُمُ اللَّهُ عَنِ الْغَزْوِ مَعَ رَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَجِهَادِ أَعْدَائِهِ (بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ) يَقُولُ: بِجُلُوسِهِمْ فِي مَنَازِلِهِمْ (خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ) يَقُولُ: عَلَى الْخِلَافِ لِرَسُولِ اللَّهِ فِي جُلُوسِهِ وَمَقْعَدِهِ. وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُمْ بِالنَّفْرِ إِلَى جِهَادِ أَعْدَاءِ اللَّهِ، فَخَالَفُوا أَمْرَهُ وَجَلَسُوا فِي مَنَازِلِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: (خِلَافَ) مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: " خَالَفَ فُلَانٌ فُلَانًا فَهُوَ يُخَالِفُهُ خِلَافًا " فَلِذَلِكَ جَاءَ مَصْدَرُهُ عَلَى تَقْدِيرِ " فِعَالٍ " كَمَا يُقَالُ: " قَاتَلَهُ فَهُوَ يُقَاتِلُهُ قِتَالًا " وَلَوْ كَانَ مَصْدَرًا مِنْ " خَلَفَهُ " لَكَانَتِ الْقِرَاءَةُ: " بِمَقْعَدِهِمْ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ "؛ لِأَنَّ مَصْدَرَ: " خَلَفَهُ " " خَلْفٌ " لَا " خِلَافَ " وَلَكِنَّهُ عَلَى مَا بَيَّنْتُ مِنْ أَنَّهُ مَصْدَرُ: " خَالَفَ " فَقُرِئَ: (خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ) وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الَّتِي عَلَيْهَا قَرَأَةُ الْأَمْصَارِ، وَهِيَ الصَّوَابُ عِنْدَنَا.
وَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ بِمَعْنَى: " بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " وَاسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
عَقَبَ الرَّبِيعُ خِلَافَهُمْ فَكَأَنَّمَا ... بَسَطَ الشَّوَاطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرَا
وَذَلِكَ قَرِيبٌ لِمَعْنَى مَا قُلْنَا ... لِأَنَّهُمْ قَعَدُوا بَعْدَهُ عَلَى الْخِلَافِ لَهُ.
وَقَوْلُهُ: (وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ -: وَكَرِهَ هَؤُلَاءِ