تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قَوْلُ عَلِىٍّ بِن عَلِيٍ بِن حَجَرٍ العَسْقَلَانِيِّ فِي شَرْحِهِ لِلْحَدِيثِ

" قَوْلُهُ: (مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى اعْتِبَارِ الْإِخْلَاصِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى بَعْدَ اثْنَيْ عَشَرَ بَابًا.

قَوْلُهُ: (كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ)، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَفْتُرُ مِنْ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ، زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ " الْخَاشِعِ الرَّاكِعِ السَّاجِدِ " وَفِي الْمُوَطَّأِ وَابْنِ حِبَّانَ " كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ، وَلِأَحْمَدَ وَالْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا " مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ نَهَارَهُ الْقَائِمِ لَيْلَهُ " وَشَبَّهَ حَالَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ بِحَالِ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي نَيْلِ الثَّوَابِ فِي كُلِّ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ مِنْ لَا يَفْتُرُ سَاعَةً عَنِ الْعِبَادَةِ فَأَجْرُهُ مُسْتَمِرٌّ، وَكَذَلِكَ الْمُجَاهِدُ لَا تَضِيعُ سَاعَةٌ مِنْ سَاعَاتِهِ بِغَيْرِ ثَوَابٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ " أَنَّ الْمُجَاهِدَ لَتَسْتَنُّ فَرَسُهُ فَيُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتٌ " وَأَصْرَحُ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ الْآيَتَيْنِ.

قَوْلُهُ: (وَتَوَكَّلَ اللَّهُ إِلَخْ) تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ مُفْرَدًا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسِيَاقُهُ أَتَمُّ، وَلَفْظُهُ " انْتَدَبَ اللَّهُ "، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي وَفِيهِ الْتِفَاتٌ وَإِنَّ فِيهِ انْتِقَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْحُضُورِ إِلَى ضَمِيرِ الْغَيْبَةِ. وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: فِيهِ حَذْفُ الْقَوْلِ وَالِاكْتِفَاءِ بِالْمَقُولِ، وَهُوَ سَائِغٌ شَائِعٌ سَوَاءٌ كَانَ حَالًا أَوْ غَيْرَ حَالٍ، فَمِنَ الْحَالِ قَوْلُهُ تَعَالَى وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ أَيْ قَائِلِينَ رَبَّنَا، وَهَذَا مِثْلُهُ أَيْ قَائِلًا لَا يُخْرِجُهُ إِلَخْ، وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الطُّرُقُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي سِيَاقِهِ، فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ عَنْهُ بِلَفْظِ تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا جِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ وَسَيَأْتِي كَذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ فِي كِتَابِ الْخُمُسِ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ فِي كِتَابِ الْخُمُسِ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِلَفْظِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ، نَعَمْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، فَوَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْإِلَهِيَّةِ، وَلَفْظُهُ " عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ قَالَ: أَيُّمَا عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي خَرَجَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ

الحسنيان النصر والشهادة · الصفحة ٢٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الحسنيان النصر والشهادةص ٢٧٣