تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَهَذِهِ الْآيَةُ تُنْبِئُ عَنْ صِحَّةِ مَا قُلْنَاهُ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَوْلِهِ: مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّمَا هُوَ النُّصْرَةُ وَالْمَعُونَةُ دُونَ الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالثَّنَاءِ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالْخَبَرِ عَمَّا لَهُمْ عِنْدَهُ دُونَ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ بِقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا. . . الْآيَةَ. وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْآيَاتِ قَبْلَ ذَلِكَ الدَّلَالَةُ عَلَى حُكْمِ مِيرَاثِهِمْ لَمْ يَكُنْ عَقِيبَ ذَلِكَ إِلَّا الْحَثُّ عَلَى مُضِيِّ الْمِيرَاثِ عَلَى مَا أَمَرَ وَفِي صِحَّةِ ذَلِكَ، كَذَلِكَ الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى أَنَّهُ لَا نَاسِخَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ لِشَيْءٍ وَلَا مَنْسُوخَ اهـ.

وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ هَذَا هُوَ الصِّنْفُ الرَّابِعُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي ذَلِكَ الْعَهْدِ، وَهُمْ مَنْ تَأَخَّرَ إِيمَانُهُمْ وَهِجْرَتُهُمْ عَنِ الْهِجْرَةِ الْأُولَى أَوْ عَنْ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ، فَيَكُونُ الْفِعْلُ الْمَاضِي آمَنُوا وَمَا بَعْدَهُ بِمَعْنَى الْمُسْتَقْبَلِ، وَقِيلَ: عَنْ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ وَكَانَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ، وَالسُّورَةُ كُلُّهَا نَزَلَتْ عَقِبَ غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَحُكْمُهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ أَنَّهُمْ يَلْتَحِقُونَ بِالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَالْأَنْصَارِ فِيمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مِنْ أَحْكَامِ وِلَايَتِهِمْ وَجَزَائِهِمْ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ فِي الْوِلَايَةِ، يَجِبُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَقِّ وَالنُّصْرَةِ فِي الدِّينِ وَالْمُوَارَثَةِ مِثْلُ الَّذِي يَجِبُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ وَلِبَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَلَا خِلَافَ فِيهِ عَلَى مَا أَعْلَمُ.

وَأَقُولُ: إِنَّ جَعْلَهُمْ تَبَعًا لَهُمْ وَعَدَّهُمْ مِنْهُمْ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ السَّابِقَيْنِ عَلَى اللَّاحِقِينَ وَلَا سِيَّمَا بَعْدَ اخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ مِنْ قُوَّةٍ وَضَعْفٍ وَغِنًى وَفَقْرٍ، قَالَ تَعَالَى: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى (57: 10) وَقَالَ تَعَالَى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9: 100) وَقَدْ بَيَّنَ فِي سِيَاقِ قِسْمَةِ الْفَيْءِ مِنْ سُورَةِ الْحَشْرِ هَذِهِ الدَّرَجَاتِ الثَّلَاثَ فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (5: 8 - 10) وَفَضِيلَةُ السَّبْقِ مَعْلُومَةٌ

الحسنيان النصر والشهادة · الصفحة ٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الحسنيان النصر والشهادةص ٢٧