قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: (وَتَصْدِيقَ كَلِمَتِهِ) أَيْ: كَلِمَةُ الشَّهَادَتَيْنِ، وَقِيلَ: تَصْدِيقُ كَلَامِ اللَّهِ فِي الْإِخْبَارِ بِمَا لِلْمُجَاهِدِ مِنْ عَظِيمِ ثَوَابِهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ) ذَكَرُوا فِي (ضَامِنٌ) هُنَا وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بِمَعْنَى " مَضْمُونٌ " كَمَاءٍ دَافِقٍ وَمَدْفُوقٍ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ بِمَعْنَى " ذُو ضَمَانٍ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ) قَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَنْ يَدْخُلَ عِنْدَ مَوْتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الشُّهَدَاءِ: أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ وَفِي الْحَدِيثِ: " أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ فِي الْجَنَّةِ " قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ دُخُولَهُ الْجَنَّةَ عِنْدَ دُخُولِ السَّابِقِينَ وَالْمُقَرَّبِينَ بِلَا حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ وَلَا مُؤَاخَذَةٍ بِذَنْبٍ، وَتَكُونُ الشَّهَادَةُ مُكَفِّرَةً لِذُنُوبِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ أَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ نَائِلًا مَا نَالَ مِنَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ) قَالُوا: مَعْنَاهُ مَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ بِلَا غَنِيمَةٍ إِنْ لَمْ يَغْنَمْ أَوْ مِنَ الْأَجْرِ وَالْغَنِيمَةِ مَعًا إِنْ غَنِمُوا وَقِيلَ: إِنَّ (أَوْ) هُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ، أَيْ: مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، وَكَذَا وَقَعَ بِالْوَاوِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَكَذَا وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ بِالْوَاوِ.
وَمَعْنَى الْحَدِيثِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ضَمِنَ أَنَّ الْخَارِجَ لِلْجِهَادِ يَنَالُ خَيْرًا بِكُلِّ حَالٍ، فَإِمَّا أَنْ يُسْتَشْهَدَ فَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَإِمَّا أَنْ يَرْجِعَ بِأَجْرٍ، وَإِمَّا أَنْ يَرْجِعَ بِأَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ.
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا مِنْ كَلْمٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهِ حِينَ كُلِمَ، لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ وَرِيحُهُ مِسْكٌ) أَمَّا (الْكَلْمُ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ، فَهُوَ: الْجُرْحُ، وَيُكْلَمُ بِإِسْكَانِ الْكَافِ، أَيْ: يُجْرَحُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّهِيدَ لَا يُزَالُ عَنْهُ الدَّمُ بِغُسْلٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَالْحِكْمَةُ فِي مَجِيئِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى هَيْئَتِهِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ شَاهِدَ فَضِيلَتِهِ وَبَذْلِهِ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْيَمِينِ وَانْعِقَادِهَا بِقَوْلِهِ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) وَنَحْوِ هَذِهِ الصِّيغَةِ مِنَ الْحَلِفِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا، قَالَ أَصْحَابُنَا: الْيَمِينُ تَكُونُ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى