وَفِي قَوْلِهِ: طُوبَى لِعَبْدٍ إِلَخْ " إِشَارَةٌ إِلَى الْحَضِّ عَلَى الْعَمَلِ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
قَوْلُهُ: (أَشْعَثَ) صِفَةٌ لِعَبْدٍ وَهُوَ مَجْرُورٌ بِالْفَتْحَةِ لِعَدَمِ الصَّرْفِ وَ " رَأْسُهُ " بِالرَّفْعِ الْفَاعِلُ، قَالَ الطِّيبِي " أَشْعَثَ رَأْسُهُ مُغْبَرَّةٌ قَدَّمَاهُ " حَالَانِ مِنْ قَوْلِهِ " لَعَبْدٌ " لِأَنَّهُ مَوْصُوفٌ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يَجُوزُ الرَّفْعُ وَلَمْ يُوَجِّهْهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَيَجُوزُ فِي أَشْعَثَ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ رَأْسٍ، أَيْ رَأْسُهُ أَشْعَثُ، وَكَذَا قَوْلُهُ: مُغْبَرَّةٌ قَدَمَاهُ ".
قَوْلُهُ: (إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ) هَذَا مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي اتَّحَدَ فِيهَا الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ لَفْظًا لَكِنَّ الْمَعْنَى مُخْتَلِفٌ، وَالتَّقْدِيرُ إِنْ كَانَ الْمُهِمُّ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِيهَا، وَقِيلَ مَعْنَى " فَهُوَ فِي الْحِرَاسَةِ " أَيْ فَهُوَ فِي ثَوَابِ الْحِرَاسَةِ، وَقِيلَ هُوَ لِلتَّعْظِيمِ أَيْ إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ فَهُوَ فِي أَمْرٍ عَظِيمٍ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ لَازِمُهُ أَيْ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِلَوَازِمِهِ وَيَكُونَ مُشْتَغِلًا بِخُوَيْصَّةِ عَمَلِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: الْمَعْنَى أَنَّهُ خَامِلُ الذِّكْرِ لَا يَقْصِدُ السُّمُوَّ، فَإِنِ اتَّفَقَ لَهُ السَّيْرُ سَارَ ; فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ اسْتَمَرَّ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ اسْتَمَرَّ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ) فِيهِ تَرْكُ حُبِّ الرِّيَاسَةِ وَالشُّهْرَةِ وَفَضْلُ الْخُمُولِ وَالتَّوَاضُعِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (فَتَعْسًا، كَأَنَّهُ يَقُولُ فَأَتْعَسَهُمُ اللَّهُ) وَقَعَ هَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَهِيَ عَلَى عَادَةِ الْبُخَارِيِّ فِي شَرْحِ اللَّفْظَةِ الَّتِي تُوَافِقُ مَا فِي الْقُرْآنِ بِتَفْسِيرِهَا، وَهَكَذَا قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ.
قَوْلُهُ: (طُوبَى فُعْلَى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ طَيِّبٍ، وَهِيَ يَاءٌ حُوِّلَتْ إِلَى الْوَاوِ وَهُوَ مِنْ يَطِيبُ) كَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي أَيْضًا وَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُرَادُ الدُّعَاءُ لَهُ بِالْجَنَّةِ، لِأَنَّ طُوبَى أَشْهَرُ شَجَرِهَا وَأَطْيَبُهُ، فَدَعَا لَهُ أَنْ يَنَالَهَا، وَدُخُولُ الْجَنَّةِ مَلْزُومُ نَيْلِهَا.