تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ -: فَرِحَ الَّذِينَ خَلَّفَهُمُ اللَّهُ عَنِ الْغَزْوِ مَعَ رَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَجِهَادِ أَعْدَائِهِ (بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ) يَقُولُ: بِجُلُوسِهِمْ فِي مَنَازِلِهِمْ (خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ) يَقُولُ: عَلَى الْخِلَافِ لِرَسُولِ اللَّهِ فِي جُلُوسِهِ وَمَقْعَدِهِ. وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُمْ بِالنَّفْرِ إِلَى جِهَادِ أَعْدَاءِ اللَّهِ، فَخَالَفُوا أَمْرَهُ وَجَلَسُوا فِي مَنَازِلِهِمْ.

وَقَوْلُهُ: (خِلَافَ) مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: " خَالَفَ فُلَانٌ فُلَانًا فَهُوَ يُخَالِفُهُ خِلَافًا " فَلِذَلِكَ جَاءَ مَصْدَرُهُ عَلَى تَقْدِيرِ " فِعَالٍ " كَمَا يُقَالُ: " قَاتَلَهُ فَهُوَ يُقَاتِلُهُ قِتَالًا " وَلَوْ كَانَ مَصْدَرًا مِنْ " خَلَفَهُ " لَكَانَتِ الْقِرَاءَةُ: " بِمَقْعَدِهِمْ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ "؛ لِأَنَّ مَصْدَرَ: " خَلَفَهُ " " خَلْفٌ " لَا " خِلَافَ " وَلَكِنَّهُ عَلَى مَا بَيَّنْتُ مِنْ أَنَّهُ مَصْدَرُ: " خَالَفَ " فَقُرِئَ: (خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ) وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الَّتِي عَلَيْهَا قَرَأَةُ الْأَمْصَارِ، وَهِيَ الصَّوَابُ عِنْدَنَا.

وَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ بِمَعْنَى: " بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " وَاسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:

عَقَبَ الرَّبِيعُ خِلَافَهُمْ فَكَأَنَّمَا ... بَسَطَ الشَّوَاطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرَا

وَذَلِكَ قَرِيبٌ لِمَعْنَى مَا قُلْنَا؛ لِأَنَّهُمْ قَعَدُوا بَعْدَهُ عَلَى الْخِلَافِ لَهُ.

وَقَوْلُهُ: (وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ -: وَكَرِهَ هَؤُلَاءِ الْمُخَلَّفُونَ أَنْ يَغْزُوا الْكَفَّارَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) يَعْنِي: فِي دِينِ اللَّهِ الَّذِي شَرَعَهُ لِعِبَادِهِ لِيَنْصُرُوهُ مَيْلًا إِلَى الدَّعَةِ وَالْخَفْضِ، وَإِيثَارًا لِلرَّاحَةِ عَلَى التَّعَبِ وَالْمَشَقَّةِ، وَشُحًّا بِالْمَالِ أَنْ يُنْفِقُوهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ.

(وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ) وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَنْفَرَهُمْ إِلَى هَذِهِ الْغَزْوَةِ - وَهِيَ غَزْوَةُ تَبُوكَ - فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: " لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ " فَقَالَ اللَّهُ

الحسنيان النصر والشهادة · الصفحة ٢٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الحسنيان النصر والشهادةص ٢٤٨