تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أَجَابَ الْجُبَّائِيُّ إِمَامُ الْمُعْتَزِلَةِ عَنِ الْآيَةِ مُحْتَجًّا عَلَى الْمُجْبِرَةِ بِأَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى يُعَذِّبُ الْكَافِرِينَ بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ، لَجَازَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ يُعَذِّبُ الْمُؤْمِنِينَ بِأَيْدِي الْكَافِرِينَ، وَلَجَازَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ يُكَذِّبُ أَنْبِيَاءَهُ عَلَى أَلْسِنَةِ الْكُفَّارِ، وَيَلْعَنُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى خَالِقٌ لِذَلِكَ، فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُجْبِرَةِ عُلِمَ أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ أَعْمَالَ الْعِبَادِ، وَإِنَّمَا نَسَبَ مَا ذَكَرَ إِلَى نَفْسِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ حَصَلَ بِأَمْرِهِ وَأَلْطَافِهِ كَمَا يُضِيفُ جَمِيعَ الطَّاعَاتِ إِلَيْهِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ اهـ

حَكَى عَنْهُ هَذَا الْجَوَابَ الرَّازِيُّ مُدْرِهُ الْأَشَاعِرَةِ فِي تَفْسِيرِهِ لِلْآيَةِ وَقَالَ: إِنَّ أَصْحَابَهُ يُجِيبُونَ عَنْهُ بِمَا خُلَاصَتُهُ أَنَّهُمْ يَلْتَزِمُونَ كُلَّ مَا أَلْزَمَهُمْ إِيَّاهُ اعْتِقَادًا، وَإِنْ كَانُوا لَا يَنْطِقُونَ بِهِ أَدَبًا مَعَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالرَّازِيُّ جَبْرِيٌّ قُحٌّ، وَلَا يَلْتَزِمُ كُلُّ الْأَشَاعِرَةِ مَا يَلْتَزِمُهُ، وَيُسْنِدُهُ إِلَيْهِمْ، فَهَذَا الْبَيْضَاوِيُّ مِنْ فَحُولِهِمْ يُفَسِّرُ تَعْذِيبَ الْمُشْرِكِينَ بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ بِتَمْكِينِهِمْ مِنْهُمْ، وَقَدْ سَبَقَ لَنَا فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ تَفْنِيدُ الْمَذْهَبَيْنِ، وَبَيَانُ أَنَّ خَلْقَهُ تَعَالَى لِكُلِّ شَيْءٍ لَا يُنَافِي خَلْقَهُ الْإِرَادَةَ وَالِاخْتِيَارَ لِلْعِبَادِ فِيمَا أَقْدَرَهُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْأَفْعَالِ، وَإِنَّمَا أَعَدْنَاهُ هُنَا؛ لِأَنَّ شُبْهَةَ الْمُجْبِرَةِ فِي جُمْلَةِ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ أَقْوَى مِنْهَا فِي كُلِّ مَا سَبَقَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي يَسْتَدِلُّونَ بِهَا عَلَى الْجَبْرِ، وَسَيَأْتِي مِثْلُهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (56: 63 و 64) وَفَهْمُ الْقُرْآنِ لَا يَكُونُ صَحِيحًا إِلَّا بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْآيَاتِ الْمُتَقَابِلَةِ فِي الْمَوْضُوعِ الْوَاحِدِ الَّذِي يَخْتَلِفُ التَّعْبِيرُ فِيهَا بِاخْتِلَافِ الْوُجُوهِ وَالِاعْتِبَارَاتِ الَّتِي ضَلَّتِ الْفِرَقُ بِنَظَرِ كُلٍّ مِنْهَا إِلَى إِحْدَاهَا دُونَ الْأُخْرَى مُطْلَقًا، أَوْ جَعْلِهَا مَا وَافَقَ مَذْهَبَهَا أَصْلًا يَرُدُّ غَيْرَهُ إِلَيْهِ بِالتَّأْوِيلِ قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا، وَمَثَلُ الْجَبْرِيَّةِ مَعَ الْقَدَرِيَّةِ هُنَا كَمَثَلِ الْمُرْجِئَةِ مَعَ الْوَعِيدِيَّةِ مِنَ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ آيَاتِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مِنْ: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (15: 91) وَضَرَبُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ.

وَالَّذِي حَقَّقْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ مِرَارًا أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالْحِسِّ وَالْوِجْدَانِ، وَبِالْمِئَاتِ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ، أَنَّ لِلنَّاسِ أَفْعَالًا يَأْتُونَهَا بِإِرَادَتِهِمْ وَقُدْرَتِهِمْ وَاخْتِيَارِهِمْ تُسْنَدُ إِلَيْهِمْ، وَيُشْتَقُّ مِنْهَا صِفَاتٌ لَهُمْ، وَيَسْتَحِقُّونَ الْجَزَاءَ عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى هُوَ الَّذِي أَعْطَاهُمُ الْقُدْرَةَ وَالْإِرَادَةَ وَالِاخْتِيَارَ، كَمَا أَعْطَاهُمُ الْأَعْضَاءَ وَالْحَوَاسَّ، وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ لَهُمْ مَا تَتَعَلَّقُ بِهِ أَعْمَالُهُمْ فِي مَعَايِشِهِمْ وَمَنَافِعِهِمْ، وَهُوَ يُسْنِدُ إِلَيْهِمْ هَذِهِ الْأَعْمَالَ، وَيَصِفُهُمْ بِهَا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْمَقَامَاتِ الَّتِي تَقْتَضِي هَذَا الْإِسْنَادَ أَوِ الْوَصْفَ، وَيُسْنِدُ بَعْضَهَا إِلَى ذَاتِهِ وَإِلَى مَشِيئَتِهِ، وَيَصِفُ نَفْسَهُ بِمَا يَلِيقُ بِهِ وَصْفُهُ

الحسنيان النصر والشهادة · الصفحة ١٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الحسنيان النصر والشهادةص ١٨٥