تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هَمُّوا بِبَسْطِ أَيْدِيهِمْ إِلَى الرَّسُولِ وَبَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ بِالسُّوءِ وَقَصْدِ الِاغْتِيَالَ، لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْعُتُوِّ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَشِدَّةِ الْإِيذَاءِ لَهُمْ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا هُمْ وَالنَّصَارَى مَغْرُورِينَ بِدِينِهِمْ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، فَأَرْشَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَمَرَهُمْ بِأَنْ يَتَّقُوهُ وَيَبْتَغُوا إِلَيْهِ وَحْدَهُ الْوَسِيلَةَ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَلَا يَكُونُوا كَأَهْلِ الْكِتَابِ فِي افْتِتَانِهِمْ وَغُرُورِهِمْ، هَذَا مَعْنَى مَا قَالَهُ، وَالْوَجْهُ فِي التَّنَاسُبِ عِنْدِي أَنْ يُبْنَى عَلَى أُسْلُوبِ الْقُرْآنِ الَّذِي امْتَازَ بِهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ مَثَانِيَ لِلْهِدَايَةِ وَالْمَوْعِظَةِ وَالْعِبْرَةِ، لَا تَبْلَى جِدَّتُهُ، وَلَا تُمَلُّ قِرَاءَتُهُ، وَالرَّكْنُ الْأَوَّلُ لِهَذَا الْأُسْلُوبِ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ فِي كُلِّ مَوْضُوعٍ مُخْتَصَرًا مُفِيدًا، تَتَخَلَّلُهُ أَسْمَاءُ اللَّهِ وَصِفَاتُهُ، وَالتَّذْكِيرُ بِوَحْدَانِيَّتِهِ وَوُجُوبِ تَقْوَاهُ وَالْإِخْلَاصِ لَهُ، وَالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ وَحْدَهُ، وَبِالدَّارِ الْآخِرَةِ وَالْجَزَاءِ فِيهَا عَلَى الْأَعْمَالِ، فَبِنَاءً عَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ قَفَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى قِصَّةِ ابْنَيْ آدَمَ وَمَا نَاسَبَهَا مِنْ بَيَانِ حُدُودِ الَّذِينَ يَبْغُونَ عَلَى النَّاسِ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بِالْأَمْرِ بِالتَّقْوَى، وَمِنْهَا اتِّقَاءُ الْحَسَدِ وَالْبَغْيِ وَالْفَسَادِ، الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْخِزْيِ وَالْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَبِابْتِغَاءِ الْوَسِيلَةِ إِلَيْهِ تَعَالَى وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، رَجَاءَ الْفَلَاحِ وَالْفَوْزِ بِالسَّعَادَةِ، وَبِوَعِيدِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ لَا يَتَّقُونَ اللَّهَ وَلَا يَتَوَسَّلُونَ إِلَيْهِ بِمَا يُرْضِيهِ، فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) اتِّقَاءُ اللَّهِ هُوَ اتِّقَاءُ سَخَطِهِ وَعِقَابِهِ. وَسَخَطُهُ وَعِقَابُهُ أَثَرٌ لَازِمٌ لِمُخَالَفَةِ سُنَنِهِ فِي الْأَنْفُسِ وَالْآفَاقِ، وَمُخَالَفَةِ دِينِهِ وَشَرْعِهِ الَّذِي يَعْرُجُ بِالْأَرْوَاحِ إِلَى سَمَاءِ الْكَمَالِ. وَالْوَسِيلَةُ إِلَيْهِ هِيَ مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَيْهِ ; أَيْ مَا يَجْرِي أَنْ يَتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى مَرْضَاتِهِ وَالْقُرْبِ مِنْهُ، وَاسْتِحْقَاقِ الْمَثُوبَةِ فِي دَارِ كَرَامَتِهِ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ إِلَّا بِتَعْرِيفِهِ تَعَالَى، وَقَدْ تَفَضَّلَ عَلَيْنَا بِهَذَا التَّعْرِيفِ بِوَحْيِهِ إِلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ الرَّاغِبُ: الْوَسِيلَةُ التَّوَصُّلُ إِلَى الشَّيْءِ بِرَغْبَةٍ، وَهِيَ أَخَصُّ مِنَ الْوَصِيلَةِ ; لِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى الرَّغْبَةِ. . . وَحَقِيقَةُ الْوَسِيلَةِ إِلَى اللَّهِ مُرَاعَاةُ سَبِيلِهِ بِالْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ، وَتَحَرِّي مَكَارِمِ الشَّرِيعَةِ، وَهِيَ كَالْقُرْبَةِ. انْتَهَى. وَرُوِيَ تَفْسِيرُ الْوَسِيلَةِ بِالْقُرْبَةِ عَنْ حُذَيْفَةَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ، وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، وَرَوَى هُوَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ قَتَادَةَ فِي الْآيَةِ أَنَّهُ قَالَ: تَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ وَالْعَمَلِ بِمَا يُرْضِيهِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ تَفْسِيرُهَا بِالْمَحَبَّةِ، قَالَ: أَيْ تَحَبَّبُوا إِلَى اللَّهِ، وَقَرَأَ: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ) (17: 57) وَعَنِ السُّدِّيِّ أَنَّهَا الْمَسْأَلَةُ وَالْقُرْبَةُ، وَرَوَى ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ أَنَّ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْوَسِيلَةِ فَقَالَ: الْحَاجَةُ، قَالَ: وَهَلْ تَعْرِفُ الْعَرَبُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَمَا سَمِعْتَ عَنْتَرَةَ وَهُوَ يَقُولُ:

الحسنيان النصر والشهادة · الصفحة ١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الحسنيان النصر والشهادةص ١٣