قَالَ الرَّاغِبُ: تَضَمَّنَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ إِلْزَامًا هُوَ جَارٍ مَجْرَى قِيَاسَيْنِ شَرْطِيَّيْنِ اقْتَضَيَا الْحِرْصَ عَلَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَمْثِيلُهُ: إِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ، حَصَلَتْ لَكُمُ الْمَغْفِرَةُ وَالرَّحْمَةُ، وَهُمَا خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُونَ. فَإِذَا الْمَوْتُ وَالْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُونَ. وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ فَالْحَشْرُ لَكُمْ حَاصِلٌ. وَإِذَا كَانَ الْمَوْتُ وَالْقَتْلُ لَا بُدَّ مِنْهُ وَالْحَشْرُ، فَنَتِيجَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَتْلَ وَالْمَوْتَ اللَّذَيْنِ يُوجِبَانِ الْمَغْفِرَةَ وَالرَّحْمَةَ خَيْرٌ مِنَ الْقَتْلِ وَالْمَوْتِ اللَّذَيْنِ لَا يُوجِبَانِهِمَا. انْتَهَى.
وَقَرَأَ الِابْنَانِ وَالْأَبَوَانِ بِضَمِّ الْمِيمِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَحَفْصٍ فِي هَذَيْنِ: " أَوْ مُتُّمْ "، " وَلَئِنْ مُتُّمْ "، وَكَسَرَ الْبَاقُونَ، وَالضَّمُّ أَقْيَسُ وَأَشْهَرُ. وَالْكَسْرُ مُسْتَعْمَلٌ كَثِيرًا وَهُوَ شَاذٌّ فِي الْقِيَاسِ، جَعَلَهُ الْمَازِنِيُّ مِنْ فَعَلَ يَفْعَلُ، نَظِيرُ دُمْتَ تَدُومُ، وَفَضَّلْتَ تُفَضِّلُ، وَكَذَا أَبُو عَلِيٍّ، فَحَكَمَا عَلَيْهِ بِالشُّذُوذِ. وَقَدْ نَقَلَ غَيْرُهُمَا فِيهِ لُغَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا: فَعَلَ يَفْعُلُ، فَتَقُولُ مَاتَ يَمُوتُ. وَالْأُخْرَى: فَعَلَ يَفْعَلُ نَحْوَ مَاتَ يَمَاتُ، أَصْلُهُ مَوَتَ، فَعَلَى هَذَا لَيْسَ بِشَاذٍّ؛ إِذْ هُوَ مِثْلُ خَافَ يَخَافُ، فَأَصْلُهُ مَوَتَ يَمُوتُ. فَمَنْ قَرَأَ بِالْكَسْرِ فَعَلَى هَذِهِ اللُّغَةِ، وَلَا شُذُوذَ فِيهِ، وَهِيَ لُغَةُ الْحِجَازِ يَقُولُونَ: مُتُّمْ مِنْ مَاتَ يَمَاتُ، قَالَ الشَّاعِرُ:
عِيشِي وَلَا تُومِي بِأَنْ تَمَاتِي
وَسُفْلَى مُضَرَ يَقُولُونَ: مُتُّمْ بِضَمِّ الْمِيمِ مِنْ مَاتَ يَمُوتُ، نَقَلَهُ الْكُوفِيُّونَ: وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: " تَجْمَعُونَ " بِالتَّاءِ عَلَى سِيَاقِ الْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ: وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ. وَقَرَأَ قَوْمٌ مِنْهُمْ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِالْيَاءِ، أَيْ مِمَّا يَجْمَعُهُ الْكُفَّارُ الْمُنَافِقُونَ وَغَيْرُهُمْ " (1).
(9)
(1) تفسير البحر المحيط ... » تفسير سورة آل عمران ... » تفسير قوله تعالى إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم» الجزء الثالث