إِضْمَارِ حَرْفِ الْجَرِّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، ثُمَّ عَلَى قَوْلِ الْكِسَائِيِّ يَبْقَى اللَّفْظُ مَعَ هَذَا الْإِضْمَارِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَعَلَى قَوْلِ الْفَرَّاءِ لَا يَبْقَى، فَكَانَ قَوْلُ الْكِسَائِيِّ لَا مَحَالَةَ أَوْلَى وَأَقْوَى.
أَمَّا قَوْلُهُ: (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا) فَاعْلَمْ أَنَّ فِي الْكَلَامِ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: فَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى ذَلِكَ فَبَعَثَ لَهُمْ مَلِكًا وَكَتَبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالَ فَتَوَلَّوْا.
أَمَّا قَوْلُهُ: (إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ) فَهُمُ الَّذِينَ عَبَرُوا مِنْهُمُ النَّهَرَ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُمْ، وَقِيلَ: كَانَ عَدَدُ هَذَا الْقَلِيلِ ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ عَلَى عَدَدِ أَهْلِ بَدْرٍ (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) أَيْ هُوَ عَالِمٌ بِمَنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ حِينَ خَالَفَ رَبَّهُ وَلَمْ يَفِ بِمَا قِيلَ مِنْ رَبِّهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى تَعَلُّقِ هَذِهِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ قَبْلَ ذَلِكَ: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فَكَأَنَّهُ تَعَالَى أَكَّدَ وُجُوبَ ذَلِكَ بِأَنْ ذَكَرَ قِصَّةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْجِهَادِ وَعَقَّبَ ذَلِكَ بِأَنَّ مَنْ تَقَدَّمَ عَلَى مِثْلِهِ فَهُوَ ظَالِمٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ الظَّالِمُ وَهَذَا بَيِّنٌ فِي كَوْنِهِ زَجْرًا عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَفِي كَوْنِهِ بَعْثًا عَلَى الْجِهَادِ، وَأَنْ يَسْتَمِرَّ كُلُّ مُسْلِمٍ عَلَى الْقِيَامِ بِذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ " (1).
(7)
يَقُولُ الحَقُّ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ آَيَاتِهِ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ (13)﴾ (2)
(1) التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب ... » سورة البقرة ... » قوله تعالى ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى
(2) سورة آل عمران