وَمِنْ عَجِيبِ مَا تَرَى الْعَيْنَانِ نَقْلُ الْمُفَسِّرِينَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا) جَمِيعُ التَّكَالِيفِ الَّتِي أُمِرُوا بِهَا، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا) جَمِيعُ مَا نُهُوا عَنْهُ. وَلَا يُوجَدُ مُسْلِمٌ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ يَكْرَهُ طَبْعُهُ وَتَسْتَثْقِلُ نَفْسُهُ جَمِيعَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَتُحِبُّ جَمِيعَ مَا نَهَاهُ عَنْهُ، وَلَكِنَّ التَّقْلِيدَ يُذْهِلُ الْمَرْءَ عَنْ نَفْسِهِ وَمَا تُحِبُّ وَتَكْرَهُ، وَعَمَّا يَرَاهُ وَيَعْرِفُهُ فِي النَّاسِ بِالْمُشَاهَدَةِ وَالِاخْتِبَارِ; فَلْيَتَأَمَّلِ الْقَارِئُ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي يُعْرَفُ بُطْلَانُهُ مِنْ نَفْسِهِ وَبَيْنَ مَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ، يَعْرِفْ قِيمَةَ اسْتِعْمَالِ الْعَقْلِ فِيمَا خُلِقَ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالتَّقْلِيدِ، وَكَمْ تَرَكَ الْأَوَّلُ لِلْآخِرِ" (1).
(5)
يَقُولُ الحَقُّ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ آَيَاتِهِ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
﴿وَ قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244)﴾ (2)
قَوْلُ مُحَمَّدِ رَشِيدِ رِضَا فِي تَفْسِيرِهَا
" (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: هُوَ الْقِتَالُ لِإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ، وَتَأْمِينِ دِينِهِ وَنَشْرِ دَعْوَتِهِ، وَالدِّفَاعِ عَنْ حِزْبِهِ كَيْ لَا يُغْلَبُوا عَلَى حَقِّهِمْ، وَلَا يُصَدُّوا عَنْ إِظْهَارِ أَمْرِهِمْ، فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْقِتَالِ لِأَجْلِ الدِّينِ; لِأَنَّهُ يَشْمَلُ مَعَ الدِّفَاعِ عَنِ الدِّينِ وَحِمَايَةِ دَعَوْتِهِ الدِّفَاعَ عَنِ الْحَوْزَةِ إِذَا هَمَّ الطَّامِعُ الْمُهَاجِمُ بِاغْتِصَابِ بِلَادِنَا وَالتَّمَتُّعِ بِخَيْرَاتِ أَرْضِنَا، أَوْ أَرَادَ الْعَدُوُّ الْبَاغِي إِذْلَالَنَا، وَالْعُدْوَانَ عَلَى اسْتِقْلَالِنَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأَجْلِ فِتْنَتِنَا فِي دِينِنَا، فَهَذَا الْأَمْرُ مُطْلَقٌ كَأَنَّهُ أَمْرٌ لَنَا
(1) تفسير المنار ... » سورة البقرة ... » تفسير قوله تعالى كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم» الجزء الثاني
(2) سورة البقرة