قال الإمام البخاري رحمه الله : " ولم ينج كثير من الناس من كلام بعض الناس فيهم ، وذلك نحو ما يذكر عن إبراهيم في كلامه في الشعبي ، وكلام الشعبي في عكرمه، وكذلك من كان قبلهم ، وتناول بعضهم في العرض والنفس ، ولم يلتفت أهل العلم إلى ذلك ، ولا سقطت عدالة أحد إلا ببرهان ثابت وحجة " .
قال التاج السبكي رحمه الله في طبقات الشافعية : " ينبغي لك – أيها المسترشد – أن تسلك سبيل الأدب مع الأئمة الماضين ، وأن لا تنظر إلى كلام بعضهم في بعض إلا إذا أتى ببرهان واضح ، ثم إن قدرت على التأويل وتحسين الظن فدونك ، وإلا فاضرب صفحاً عما جرى بينهم ، فإنك لم تخلق لهذا، فاشتغل بما يعنيك ، ودع عنك ما لا يعنيك ، ولا يزال طالب العلم نبيلاً حتى يخوض فيما جرى بين الماضين " .
وبعد أن ذكر كلام الأئمة في بعض قال رحمه الله : " فإنك إن اشتغلت بذلك خفتُ عليك الهلاك ؛ فالقوم أئمة أعلام ، ولأقوالهم محامل ، وربما لم نفهم بعضها ، فليس لنا إلا الترضي عنهم والسكوت عما جرى بينهم كما يفعل فيما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم " (1) .
ونختم الكلام على هذه الفقرة بكلام قيم للإمام ابن عبد البر رحمه الله إذ يقول : " فمن أراد أن يقبل قول العلماء الثقات الأئمة الأثبات بعضهم في بعض فليقبل قول من ذكرنا قوله من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بعضهم في بعض ، فإن فعل ذلك ضل ضلالاً بعيداً وخسر خسراناً مبيناً ، وكذلك إن قبل في سعيد بن المسيب قول عكرمة ، وفي الشعبي والنخعي وأهل الحجاز وأهل مكة وأهل الكوفة وأهل الشام على الجملة ، وفي مالك والشافعي وسائر من ذكرنا في هذا الباب ، ما ذكرنا عن بعضهم في بعض ، فإن لم يفعل – ولن يفعل إن هداه الله وألهمه رشده – فليقف عند ما شرطنا : أن لا يقبل فيمن صحت عدالته وعلمت بالعلم عنايته ، وسلم من الكبائر ، ولزم المروءة والتعاون ، وكان خيره غالباً ، وشره أقل عمله ، فهذا لا يقبل فيه قول قائل لا برهان له به فهذا هو الحق الذي لا يصح غيره إن شاء الله "(2) ا.هـ
المبحث التاسع :
هل هناك أحد يسلم من ألسنة الناس ؟
(1) طبقات الشافعية ( 1 / 188 ) .
(2) جامع بيان العلم وفضله ( ص 162 ) .