ووجه الدلالة من الحديث أن الفريق الذي أراد أن يخرق السفينة إنما عزم على أن يتصرف في حقه ونصيبه ((فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها)) وظاهر في الحديث أنهم لم يقصدوا الاضرار، بدليل قولهم ((ولم نؤذ من فوقنا)) ولكن لما كان مآل تصرفهم في نصيبهم مفضياً – لا محالة – إلى الاضرار بمن في السفينة جميعاً، بقطع النظر عن الباعث أوجب الشارع على بقيتهم أن يأخذوا على أيديهم، وقاية للجماعة من مآل هذا التصرف، ولو لم يكن ثمة باعث غير مشروع.
المصلحة العامة مقدمة:
على أن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الفردية عند التعارض كما هو مقرر في أصول الشريعة[8]، ولو لحق الفرد من جراء ذلك ضرر، لأنه ينجبر بالتعويض، ولأن في رعاية المصلحة العامة وتقديمها رعاية للمصلحة الخاصة ضمنا، كما أشار إلى ذلك الحديث ((نجوا جميعاً)).
ومما يؤكد ذلك، أن الشارع حرم احتكار المنافع والأقوات وكل ما يؤدي إلى ضرر بالعامة، كما أوجب التسعير الجبري إذا تعدى التجار في أسعار ما يحتاج إليه الناس تعدياً فاحشاً[9]، وهذا لا شك تدخل من الدولة في أصل حق الملكية للمصلحة العامة.
كذلك أجاز الشارع نزع الملكية الخاصة – في ظروف معينة – للمصلحة العامة[10] بشرط أن يعوض الفرد تعويضاً عادلاً توفيقاً بين المصلحتين.
طبيعة الحق الفردي كما يراه علماء الأصول:
وقد بين المحققون من الأصوليين ((طبيعة الحق الفردي)) في الفقه الإسلامي بأنه ((حق مشترك)) وليس حقاً فردياً خالصاً، ذلك لأن الصالح العام مراعى في كل حق فردي، وهذا ما عبر عنه الشاطبي ((بحق الله)) إذ يقول:
"وأيضاً ففي العادات – وهي الحقوق والحريات – حق الله تعالى من جهة وجه الكسب ووجه الانتفاع، لأن حق الغير محافظ عليه شرعاً أيضاً، ولا خيرة فيه للعبد، فهو حق الله تعالى صرفاً في حق الغير"[11].
وهكذا نرى أن الصالح الفردي سواء في وجوه الكسب أو وجوه الانتفاع مراعى فيه الصالح العام.