إنها معالم نورانية للسالكين وبراهين ربانية لشحذ همم السائرين ترشدهم إلى الخلق الذي يستوعبون به الناس لينقلوهم من ضيق النفوس إلى سعة القلوب والصدور , وإن من أحوج الناس لتلمس تلك الدلالات والمعاني الذين يتصدرون لدعوة الناس " فالذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لايخالط الناس ولا يصبر على أذاهم " والنبي صلى الله عليه وسلم خالط الناس في دعوته بالاحتساب والصبر والحلم والأناة ولم يخالطهم بالفظاظة والغلظة والقسوة والغضب وصدق الله ( ولوكنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) .
وحياته صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة دليل الصدق على سمو نفسه عليه الصلاة والسلام فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : "كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية ، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة ، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته . ثم قال : يامحمد ، مر لي من مال الله الذي عندك ، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أمر له بعطاء " رواه البخاري في كتاب اللباس .
موقف رهيب ، وحلم عجيب ، وبهاء وروعة ، وسمو وتواضع ، وحنو مصدره إيمان وحلم يزين جبين الرحمة المهداة والمنة المسداة لهذه البشرية الحائرة التي كانت قبل محمد صلى الله عليه وسلم لا تعرف ما معنى الرحمة ولا ما معنى الخلق .
بالله عليكم يا أحبابنا لوكانت هذه المعاني مستحضرة في واقعنا وواقع تعاملنا مع عباد الله عزوجل كيف سيكون حال دعوتنا ؟ كيف لو استحضر المعلم هذا المعنى مع طلابه ورواد درسه؟ وكيف لو استحضرت المعلمة ذلك مع طالباتها ؟ وكيف لو تأمل الداعية والمربي والشيح والعالم في هذا الموقف من النبي صلى الله عليه وسلم وتمثله أصحاب الرسالات والدعوات في حياتهم ، كيف سيكون حال الناس ؟