تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

، ولذا يناسبه لفظ فاعل لا مفعول، وعكس ذلك إحلال مفعول محل فاعل في) إنه كان وعده مأتياً ((مريم:60) أي آتياً كما ذكروا، ولكنه بذلك يحقق الإيقاع في الفواصل المنتهية بحرف مد مسبوق بياء مشددة، وفيه نكتة أخرى وهي جعل الوعد نفسه عَلَماً منصوباً يتوافد إليه الناس، وذلك أبلغ في الدلالة، ومن صور الإحلال كذلك لدواع سياقية وإيقاعية إحلال المفرد محل المثنى، والعكس، والجمع محل المثنى والعكس، والعاقل محل غير العاقل، والمؤنث محل المذكر والعكس .. وكل ذلك في بلاغة عالية وأسلوب بديع يمتع العقل والروح معاً لمن يتدبر ويتذوق.

4 - الاستغناء بلفظ عن آخر: وهناك ظاهرة مشابهة لها هي الاستغناء بلفظ عن آخر، لدواع سياقية، والقرآن يختار اللفظ بدقة متناهية، ومن ذلك أن القرآن يستعمل كثيراً صيغة غفور في الفواصل، ولكن يستغني عنها بغفّار لتتوافق الفواصل في) فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفّاراً ((نوح: 10) والفواصل هنا هي" إسراراً وغفاراً ومدراراً "أما غفور وغفّار في حق الله تعالى فهما صيغتا مبالغة ولا تفاضل بينهما دلالياً، ولكن حاجة السياق تحدد المختار منهما، ومثله) ومكروا مكراً كُبّاراً ((نوح:22) حيث أوثرت صيغة كبّار على كبير لإبداء المبالغة وتحقيق الإيقاع، ومثله استعمال عسِر مكان عسير المعتادة في) هذا يوم عسر ((القمر:8)

***

الهوامش

1 - المدخل إلى علم اللغة: 101، مكتبة الخانجي، القاهرة 1400هـ –1980م.

2 - دلائل الإعجاز: 185، مكتبة القاهرة،1400هـ-1980م.

3 - كتاب سيبويه:1/ 34، تحقيق: عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي 1408هـ-1988م.

****

القسم الثاني:

5 - الحذف في الفواصل: ومن مظاهر البلاغة في الفواصل كذلك حذف بعض الألفاظ في الفواصل، والحذف ظاهرة لغوية عامة، والعربية لغة إيجاز يكثر فيها الحذف، ولا غرو أن سماه ابن جني "شجاعة العربية" وقال:" قد حذفت العرب الجملة والمفرد والحرف والحركة، وليس شيء من ذلك إلا عن دليل عليه، وإلا كان فيه ضرب من تكليف علم الغيب في معرفته " (1) ويُرجع في معرفة المحذوف إلى السياق بقرائنه المتنوعة، وفي بلاغة الحذف وجماله يقول عبد القاهر:" هو باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة ... " (2)

وأشهر صوره حذف المفعول به والأفعال يعلمون ويفعلون ويعملون .. يحذف معها المفعول كثيراً في الفاصلة لدواع سياقية كالتهديد في) كلا سوف تعلمون (ويُحذف للمواساة والتخفيف في) ما ودعك ربك وما قلى (أي وما قلاك فحذف الكاف للفاصلة ولعدم ذكر الضمير العائد على النبي r مع لفظ القلى الدال على البغض، وحقق مع ذلك إيقاعاً جميلاً بتوافق الفواصل، ومنه إطلاق النوع كما في) فأما من أعطى واتقى (أي أعطى أي خير واتقى الله واتقى المحرمات والشبهات ... إلخ، ولو ذكر المفعول صريحاً لصرف الذهن إلى شيء واحد فقط.

الفواصل القرآنية · الصفحة ٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الفواصل القرآنيةص ٤