يأتوا بسورة واحدة ولن يستطيعوا أبداً. ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَاتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَاتِهِمْ تَاوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ (1).
خ- قو له تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾
يعترض الكفار –تعنتاً وسؤالهم فيما ليس لهم به علم-، هلا نزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم دفعة واحدة كنزول التوراة والإنجيل ونحوهما من الكتب السابقة؟. فرد عليهم ربهم بقوله:
﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32) وَلَا يَاتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33)﴾ (2). يقول الحافظ ابن كثير-رحمه الله-: أنه إنما نزل منجماً في ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع والحوادث، وما يحتاج إليه من الأحكام ليثبت قلوب المؤمنين به، كقوله: ﴿وقرآنا فرقناه﴾. ولهذا قال: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ قال قتادة: بيناه تبيينا، وقال عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم: وفسرناه تفسيراً ﴿وَلَا يَاتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ أي بحجة وشبهة ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ أي: ولا يقولون قولاً يعارض به الحق، إلا أجبناهم بما هو الحق في نفس الأمر وأبين وأوضح وافصح من مقالتهم. اهـ (3).
د- طلب المكذبين المعاندين من رسلهم آيات تدل على صدقهم.
الآيات والبراهين التي تظهر على أيدي الرسل من عند الله، ينزلها على رسله متى شاء تأييداً لدعوتهم وإظهاراً لصدقهم وصحة رسالتهم، والرسل ليس لهم من أمر الآيات شيء قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَاتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (78)﴾ (4).
وما زال المكذبون بالرسل والرسالة يطالبون رسلهم بالآيات والبراهين التي تدل على صدقهم وصحة رسالتهم، فمما قالوه في ذلك مع رد الله عليهم موبخاً لهم ومظهراً إفكهم وباطلهم:
﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ ءَايَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (37)﴾ (5). ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (20)﴾ (6). ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَاتِينَا ءَايَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118)﴾ (7). ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7)﴾ (8). ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27)﴾ (9). ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَاتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَاتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (133)﴾ (10). ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَاتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) مَا ءَامَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6)﴾ (11).
بل قد أقسم بعضهم أنهم إذا جاءتهم آية ليؤمنن!: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ ءَايَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ فرد الله عليهم: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (109)﴾ (12).
وقد بين الله عز وجل حال الكفار المعاندين، وذكر أساليبهم وكلامهم في رد الرسل والتكذيب بالآيات الواضحة البينة، فقال عز من قائل:
﴿وَمَا تَاتِيهِمْ مِنْ ءَايَةٍ مِنْ ءَايَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4)﴾ (13). وقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ ءَايَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25)﴾ (14). وقال:
﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (124)﴾ (15).
وقال: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَاتِنَا بِهِ مِنْ ءَايَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132)﴾ (16). وقال: ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (97)﴾ (17). وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا ءَايَةً يَسْتَسْخِرُونَ (14)﴾ (18). وقال: ﴿وَإِنْ يَرَوْا ءَايَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2)﴾ (19). وقال:
(1). يونس.
(2). الفرقان.
(3). تفسير القرآن العظيم (3/ 322)
(4).غافر.
(5). الأنعام.
(6). يونس.
(7). البقرة.
(8). الرعد.
(9). الرعد.
(10). طه.
(11). الأنبياء.
(12). الأنعام.
(13). الأنعام.
(14).الأنعام.
(15).الأنعام.
(16).الأعراف.
(17). يونس.
(18). الصافات.
(19). القمر.