ولهذا ينبغي أن يحترز المفتي في كلام الله جل وعلا أكثر من احترازه في غيره, باعتبار أن كلام الله جل وعلا هو من صفاته، والتعدي عليه هو تعدٍ على ذات الله جل وعلا, فوجب فيه الاحتراز والاحتياط لمسائل الدين وأحكامه. وكذلك يجب أن يحترز المفتي في مسائل الدين الكلية الظاهرة المحكمة, وأن يحتاط لها أكثر من احتياطه لغيرها, وكذلك أن يحتاط للمسائل المتعلقة بالأصول أكثر من المسائل الفرعية, فثمة مسائل متعلقة بمسائل الأصول والمعاني الكلية، كما في مسائل أركان الإسلام وأركان الإيمان, وغيرها من المسائل الظاهرة المعلومة من دين الإسلام بالضرورة, فيجب على الإنسان أن يحتاط في ذلك قدر إمكانه ووسعه, حتى لا يفتي الناس بغير علم, فهذا من المسائل الظاهرة البينة, ولهذا قال الله جل وعلا: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:7] , آيات الكتاب المحكمة هي أم الكتاب, أي: أصله وكله ومجموعه, وهذا ما ينبغي للإنسان أن يحترز فيه. وجميع ما في كلام الله جل وعلا على سبيل الإجمال قد جاء بيانها على سيبل الإحكام, إلا نزراً يسيراً قد جاء فيه الخلاف والتباين, وذلك في مواضع من آي الأحكام, وربما وقع من ذلك شيء من السير والقصص ونحو ذلك, وقد اختلف جملة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب. ووجب على الإنسان أن يحتاط في مسائل الفتيا, فقد قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء:36] , وقول الله جل علا: ((وَلا تَقْفُ)) يعني: لا تقف ولا تنصب نفسك في مسائل لست لها بأهلٍ, ولم تكن حينئذٍ من أهل العلم والدراية والمعرفة, فتتكلم بشيءٍ لست من أهل المعرفة والفتيا فيه, فتكون حينئذٍ ممن افتأت على الله جل وعلا, وافتأت أيضاً على دين الإسلام, فيكون حينئذٍ ممن يستحق المقت واللعن والطرد.
الفتوى ضوابط وأحكام · الصفحة ١٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
الفتوى ضوابط وأحكامص ١٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي