ومما يجدر التنبيه عليه هو أن الانتصار ليس هدفاً ولا غاية , وإنما الهدف ظهور الحق وإقامة الحجة ﴿ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾ (1).
الفصل الثالث : ضوابط الدعوة بالمجادلة :
توطئة :
إن استقراء النصوص الشرعية وتطبيقات السلف رضوان الله عليهم تقودنا إلى أن الدعوة بالمجادلة لها ثلاثة جوانب :
ما قبل قيام الجدل، وأثناءه، وبعده .
وسنعرض لهذه المراتب الثلاث بشيء من التفصيل في هذه الفصل بإذن الله .
المبحث الأول : ضوابط قبل قيام المجادلة :
تبين مما سبق ما هو الجدل المشروع فهو أسلوب لإقامة الحجة وإظهار الحق بين الناس على من خالفه أو جهله , وبالتالي فليس استخدام هذا الأسلوب في التعامل مع المخالف أو في مقام الدعوة في كل حال .
بل لا بد من النظر في أمور عدة قبل قيام هذا الجدل .
…ويمكن أن نجملها بالأمور الآتية:
أولا : تقديم أسلوبي الحكمة والموعظة الحسنة والبدء بهما , وهذا مأخوذ من قوله تعالى : ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ (2).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " ما دام الرجل قابلا للحكمة والموعظة الحسنة أو لهما جميعاً لم يحتج إلى مجادلة , فإذا مانع جودل بالتي هي أحسن "(3) .
وبذلك يتبين أن الحكمة والموعظة الحسنة قد تكفي مع المدعو , وإن كان مجادلا جودل بضوابط الشريعة وليس بأعراف أهل الجدل .
وهذا مظهر من مظاهر عظمة هذا الدين وربانيته , ودليل على ما فيه من الواقعية بحيث لا يغفل أن فئات من الناس قد يحتاج معهم إلى الجدل ولذلك وجه إلى مجادلتهم .
ثانياً : ليس كل من دعا إلى الجدل أو المناظرة يجاب في كل حال فلا بد من النظر إلى المصلحة وظهورها أو رجحانها .
(1) سورة الأنفال الآية 42 .
(2) سورة النحل الآية 125.
(3) الرد على المنطقيين ص 468.