وبالفعل دخلت السنوات الشداد ، وقلت الأمطار ، وقحط الناس في مصر والبلدان ، لكن مصر استقبلت القحط بكل حيطة واستعداد بفضل الله ، ثم بحكمة يوسف وحسن تخطيطه ، حيث ادخر من الغلال ما يكفي حاجة الناس ، ويصونهم أيام الجوع والجدب .
تسامع الناس بذكر مصر ، وأنها رخية ، وكأنها لم يصبها القحط ، وأن فيها عزيزاً عادلاً وفاضلاً كريماً ، يوزع الحنطة بين الناس بميزان العدل والرحمة .
وصل الخبر إلى أرض فلسطين ، وفيها يعقوب عليه السلام وبنوه ، فقال يعقوب لأبنائه : إن الجدب عمنا فشدوا ركابكم ، واقصدوا هذا العزيز الذي حملت الركبان أخباره .
وبالفعل أجاب الأبناء دعوة أبيهم ، وانطلقوا إلى مصر كما قال تعالى : ﴿ وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ ﴾ [ يوسف : 58 ] .
دخل الحاجب على يوسف العزيز ، وقد صار في رئاسته ووجاهته ، وحوله الناس محل إجلال وإكرام ، وقال له : إن بالباب عشرة تتشابه معارفهم ، غرباء عن هذه الديار يستأذنون في الدخول عليك .
فأذن لهم يوسف بالدخول ، فإذا هم إخوته العشرة الذي غدروا به ، ورموه في البئر فعرفهم ، ولم يعرفوه ، واستبانهم وهم قد أنكروه مع طول المدة .
يوسف كان حكيماً رزيناً ، آواهم وأحسن ضيافتهم .
ثم قال لهم : من أنتم ؟ وما أقدمكم بلادي ؟
فقالوا : يا أيها العزيز قدمنا للميرة ، قال : لعلكم عيون ؟
قالوا : معاذ الله ، قال : فمن أين أنتم ؟ !
قالوا : من بلاد كنعان وأبونا يعقوب نبي الله .
قال : وله أولاد غيركم ؟
قالوا : نعم كنا اثني عشر فذهب أصغرنا هلك في البرية ، وكان أحبنا إلى أبيه ، وبقى شقيقه فاحتبسه أبوه ليتسلى به عنه .
فقال يوسف : لا قيمة لهذا القول عندي حتى تأتوا به أو شاهد ، فأقيموا عندي حتى يحضر بيتكم .
فقالوا : نحن غرباء ، وإنك تكلفنا محالاً ولكن التمس لنا مخرجاً عن هذا .