ما كلفوا به، من إصابة الحق في القول، وكانوا يرون أن التفسير شهادة على الله بأنه عنى باللفظ كذا وكذا، فأمسكوا عنه خشية أن لا يوافقوا مراد الله عز وجل، وكان منهم من يخشى أن يفسر القرآن برأيه فيجعل في التفسير إماما يبني على مذهبه، ويقتفي طريقه، فربما جاء أحد المتأخرين، وفسر القرآن برأيه، فوقع في الخطأ، ويقول: إمامي في التفسير بالرأي فلان من السلف، ويمكن أن يقال أيضا: إن إحجامهم كان مقيدا بما لم يعرفوا وجه الصواب فيه.
وأما إذا عرفوا وجه الصواب فكانوا لا يتحرجون من إبداء ما يظهر لهم، ولو بطريق الظن، فهذا أبو بكر رضي الله عنه يقول: وقد سئل عن الكلالة - (أقول فيها برأيي، فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان غير ذلك فمني ومن الشيطان، الكلالة كذا وكذا).
ويمكن أن يقال أيضا: إنما أحجم من أحجم لأنه كان لا يتعين الإجابة، لوجود من يقوم عنه في تفسير القرآن، وإجابة السائل، وإلا لكانوا كاتمين للعلم، وقد أمرهم الله ببيانه للناس (١).
ثالثا: أن للقرآن يحتمل وجوها كثيرة من التأويل ولا يمكن معرفة هذه الوجوه إلا بالاجتهاد والاستنباط، وفي ذلك يقول الرسول ﷺ: (لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة) (٢).
كما يقول عليه الصلاة والسلام: «القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه».
(١) التفسير والمفسرون جـ ١ ص ٢٦١.
(٢) أخرجه ابن سعد وغيره عن أبي الدرداء موقوفا - أنظر الإتقان ج ١ ص ١٤١.