تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلهاً يُشرِّعُ لخلقٍ لم يخلقهم، وصار اللهُ بذلك- وحاشاه جل وعلا- مجردَ خيارٍ لخلقه الذين خَلَقَهُم .. والله جل وعلا لم يقل: وَرَبُّهُم شورى بينهم؛ بل قال:" وأمرهم شورى بينهم"، ولم يقل: وشاورهم في الله، بل قال: "وشاورهم في الأمر". ولم يقل: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الشعبُ ودستورُه أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، بل قال:" وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم".

لكَ- كإنسانٍ- أن تختارَ أيَّ دينٍ تريد، "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي"، فإذا اخترتَ الإسلامَ ديناً فليس لكَ بعده- كمسلمٍ- أن تختارَ غيرَ شريعته حُكمَاً ونِظَامَاً؛ فإذا زعمتَ- وأنت مسلمٌ تحققت فيك الشروط وانتفت عنك الموانع- أَنَّكَ حُرٌ في اختيارِ شريعةٍ غير شريعة الإسلام؛ فقد صدقتَ بعضَ الصدق في كونك حراً وكذبتَ كُلَّ الكَذِبِ في كونك مسلماً .. كيف تُعطِي لنفسكَ حُريةَ الخروج عن شريعة الإسلام ثم تمنع الإسلامَ من حرية تسمية هذا الخروج كفراً؟! مَن أنتَ لتفرض على الإسلام أهواءَكَ ثم تُجبره على أن يبقيك ضِمنَ دائرته؟!

لقد أوهموكَ أن الديمقراطية هي إجراءاتُها وآلياتُها فَرُحْتَ تَلوكُ مُصطَلحاتِها الضخمة عن الحرية والمساواة وحكم الشعب لنفسه .. وليتهم- حين خدعوك بهذا الكفر المُأَسْلَم- جعلوا الشعبَ حاكماً على الحقيقة، أو أفهموكَ ماهيةَ هذا الشعب الذي تُقضى الأمور باسمه وليس له فيها ناقةٌ ولا جَمَل .. إنما هي النُخَبُ العسكرية والاقتصادية والإعلامية التي تتلاعب بعقول الشعب فتجعل الحقَّ باطلاً والباطلَ حقاً ثم تُوجِّه العامةَ والغوغاءَ وأنصافَ المتعلمين إلى اختيارٍ بعينه- يُختارُ لهم- ويظنون أنهم أحرار في اختيارهم!!

الإنسانُ كائنٌ عقائدي لا يمكن أن يعيش- غالباً- بغير دين حتى لو كان ديناً كاذباً، ولو فتشت وراءَ غالب هذه الأفكار التي تموج بالبشر ويموج بها البشر في شتى مناحي الحياة؛ لوجدتَ ديناً ما، أو فلسفةً ما، أو عقيدةً ما!!

لن تستطيعَ- واقعاً- نَزَعَ أيَّ مَذهَبٍ من أصله الفلسفي لتكتفي بآلياته وإجراءاته، كما لا يمكن للآليات والإجراءات أن تخلو تماماً من انعكاسات الأصل الفلسفي عليها .. قد تتفق بعضُ آليات الشيوعية مع بعض آليات الديمقراطية؛ لكنك سَتَلمَسُ بوضوح بصماتِ المنهجين في آليات هذه وتلك .. بل إن ظهور المذهب بثوبٍ مختلفٍ في فرعٍ غيرِ أصله الفلسفي سيُشيرُ بالضرورة إلى الأصل الفلسفي؛ تماماً كما تشير الفكرةُ الحداثيةُ الأدبيةُ الحمقاءُ عن (موت المؤلف) إلى الفكرةِ الفلسفيةِ الأيدلوجيةِ الكافرةِ عن (موت الإله)؛ هذه مِنْ تلك وإن تمظهرت في الأدب بغير مظهرها في الفلسفة!!

الآلياتُ اجتهادٌ بشريٌ خاضعٌ للزمان والمكان والظروف والسياقات، ولكن مِن المحال عقلاً وواقعاً أن يختفي الأصلُ العقدي تماماً من آلياته؛ وإلا كان الأصل ناقصاً غير مكتمل .. الإسلام دينٌ قانونه الشريعة (الحكم لله، والسيادة للشريعة، والسلطة للأمة)؛ وحين يُطَبَّقُ هذا القانون بإجراءاته وآلياته الخاضعة للاجتهاد البشري لن يُطبق إلا من خلال اتكائه على الأصل العَقَديِّ له، وكُلُّ إِجراءٍ يتعدى الاجتهادُ فيه دائرةَ أصلِهِ لا يُعَوَّلُ

الديمقراطية .. تلك الزفة الكاذبة · الصفحة ٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الديمقراطية .. تلك الزفة الكاذبةص ٣