تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَجهُهُ، وَقَالَ: وَاللهِ يَا أَخِي! لَقَدْ وَصلتُ إِلَى بَغْدَادَ، وَمعِي بَقِيَّةُ نَفَقَةٍ لِي، فَسَأَلتُ عَنْكَ، فَلَمْ يُرْشِدُنِي أَحَدٌ إِلَى أَنْ نَفِذَتْ نَفَقَتِي، وَبقيتُ بَعْدهَا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لاَ أَجِدُ ثَمَنَ قُوتِي إِلاَّ مِنْ مَالِكَ، فَلَمَّا كَانَ هَذَا اليَوْمُ الرَّابِعُ، قُلْتُ: قَدْ تَجَاوَزَتْنِي ثَلاَثُ أَيَّامٍ، وَحَلَّتْ لِي المَيْتَةُ، فَأَخَذتُ مِنْ وَدِيعَتِكَ ثمنَ هَذَا الخبزِ وَالشِّوَاءِ، فُكُلْ طَيِّبًا، فَإِنَّمَا هُوَ لَكَ، وَأَنَا ضَيفُكَ الآنَ.

فَقُلْتُ: وَمَا ذَاكَ؟

قَالَ: أُمُّكَ وَجَّهَتْ مَعِي ثَمَانِيَةَ دَنَانِيْرَ، وَاللهِ مَا خُنْتُكَ فِيْهَا إِلَى اليَوْمِ.

فَسَكَّنْتُهُ، وَطَيَّبْتُ نَفْسَهُ، وَدَفَعْتُ إِلَيْهِ شَيْئًا مِنْهَا (١) .

قَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: كَتَبَ إِلَيَّ عَبْدُ اللهِ بنُ أَبِي الحَسَنِ الجُبَّائِيُّ، قَالَ: قَالَ لِي الشَّيْخُ عَبْدُ القَادِرِ:

كُنْتُ فِي الصَّحرَاءِ أُكَرِّرُ فِي الفِقْهِ وَأَنَا فِي فَاقَةٍ، فَقَالَ لِي قَائِلٌ لَمْ أَرَ شَخْصَهُ: اقتَرِضْ مَا تَسْتعينُ بِهِ عَلَى طلبِ الفِقْهِ.

فَقُلْتُ: كَيْفَ أَقترِضُ وَأَنَا فَقيرٌ وَلاَ وَفَاءَ لِي؟

قَالَ: اقترِضْ وَعَلَيْنَا الوَفَاءُ.

فَأَتيتُ بَقَّالًا: فَقُلْتُ: تُعَامِلُنِي بِشَرْطٍ إِذَا سَهَّلَ اللهُ أَعْطيتُكَ، وَإِن مُتُّ تَجعَلْنِي فِي حِلٍّ، تُعطِيَنِي كُلَّ يَوْمٍ رَغِيْفًا وَرشَادًا.

فَبَكَى، وَقَالَ: أَنَا بِحُكْمِكَ.

فَأَخَذتُ مِنْهُ مُدَّةً، فَضَاقَ صَدْرِي، فَأَظُنُّ أَنَّهُ قَالَ: فَقِيْلَ لِي: امضِ إِلَى مَوْضِعِ كَذَا، فَأَيَّ شَيْءٍ رَأَيْتَ عَلَى الدِّكَّةِ، فَخُذْهُ، وَادفعْهُ إِلَى البَقَّالِ.

فَلَمَّا جِئْتُ، رَأَيْتُ قطعَةَ ذَهَبٍ كَبِيْرَةً، فَأَعْطيتُهَا البَقْلِي.

وَلَحِقَنِي الجُنُوْنُ مرَّةً، وَحُمِلْتُ إِلَى المَارستَان، فَطَرَقَتْنِي الأَحْوَالُ حَتَّى حَسِبُوا أَنِّي (٢) مُتُّ، وَجَاؤُوا بِالكَفَنِ، وَجَعَلونِي عَلَى المُغْتَسَلِ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنِّي، وَقُمْتُ، ثُمَّ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنْ أَخرجَ مِنْ بَغْدَادَ لِكَثْرَةِ الفِتَنِ،

(١) انظر " طبقات " ابن رجب ١ / ٢٩٨، ٢٩٩.

(٢) ما بين حاصرتين مستدرك من " طبقات " ابن رجب ١ / ٢٩٩، والنص فيه: وكان ربما أغشي علي، فيغسلوني، ويحسبوني أني مت من الحال التي تطرقني.

سير أعلام النبلاء - ط الرسالة · الجزء ٢٠ · الصفحة ٤٤٥

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سير أعلام النبلاء - ط الرسالةج ٢٠ · ص ٤٤٥