تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فَتَرَكْتُ التِّجَارَةَ، وَلَزِمْتُ العِبَادَةَ (١) .

قُلْتُ: الأَفْضَلُ جَمْعُ الأَمْرَيْنِ مَعَ الجِهَادِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ، هُوَ طَرِيْقُ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ وَالصُّوْفِيَّةِ، وَلاَ رَيْبَ أَنَّ أَمْزِجَةَ النَّاسِ تَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ، فَبَعْضُهُمْ يَقْوَى عَلَى الجَمْعِ كَالصِّدِّيْقِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ، وَكَمَا كَانَ ابْنُ المُبَارَكِ، وَبَعْضُهُمْ يَعْجزُ وَيَقْتَصِرُ عَلَى العِبَادَةِ، وَبَعْضُهُمْ يَقْوَى فِي بِدَايَتِهِ، ثُمَّ يَعْجِزُ، وَبِالعَكْسِ، وَكُلٌّ سَائِغٌ، وَلَكِنْ لاَ بُدَّ مِنَ النَّهْضَةِ بِحُقُوْقِ الزَّوْجَةِ وَالعِيَالِ.

قَالَ سَعِيْدُ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ: أَسْلَمَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ شَهِدَ أُحُدًا، وَأَمَرَهُ رَسُوْلُ اللهِ -ﷺ- يَوْمَئِذٍ أَنْ يَرُدَّ مَنْ عَلَى الجَبَلِ، فَرَدَّهُمْ وَحْدَهُ، وَكَانَ قَدْ تَأَخَّرَ إِسْلاَمُهُ قَلِيْلًا (٢) .

قَالَ شُرَيْحُ بنُ عُبَيْدٍ الحِمْصِيُّ: لَمَّا هُزِمَ أَصْحَابُ رَسُوْلِ اللهِ يَوْمَ أُحُدٍ، كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَوْمَئِذٍ فِيْمَنْ فَاءَ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ فِي النَّاسِ، فَلَمَّا أَظَلَّهُمُ المُشْرِكُوْنَ مِنْ فَوْقِهِمْ، قَالَ رَسُوْلُ اللهِ -ﷺ-: (اللَّهُمَّ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَعْلُوْنَا) .

فَثَابَ إِلَيْهِ نَاسٌ، وَانْتَدَبُوا، وَفِيْهِم عُوَيْمِرُ أَبُو الدَّرْدَاءِ، حَتَّى أَدْحَضُوْهُمْ عَنْ مَكَانِهِمْ، وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَوْمَئِذٍ حَسَنَ البَلاَءِ.

فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ -ﷺ-: (نِعْمَ الفَارِسُ عُوَيْمِرٌ) (٣) .

(١) أخرجه " ابن سعد " ٧ / ٣٩١، عن أبي معاوية الضرير بهذا الإسناد، وذكره الهيثمي في " المجمع " ٩ / ٣٦٧، وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، وهو في " تاريخ ابن عساكر " ١٣ / ٣٧ / ١.

(٢) ابن عساكر ١٣ / ٣٧٠ / ١.

(٣) ابن عساكر ١٣ / ٣٧٠ / ١، وهو مرسل، فإن شريح بن عبيد لم يدرك أبا الدرداء، وانتدبوا: أسرعوا، وأدحضوهم: أزالوهم.

وانظر ابن سعد ٧ / ٣٩٢، و" المستدرك " ٣ / ٣٣٧.

سير أعلام النبلاء - ط الرسالة · الجزء ٢ · الصفحة ٣٣٨

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سير أعلام النبلاء - ط الرسالةج ٢ · ص ٣٣٨