تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أُوذِيَ بِمَكَّةَ، فَرَاح إِلَى مِصْرَ، وَبَالَغَ فِي الإِنْكَار، فَطردُوْهُ، وَآذَوْهُ، وَكَانَ إِذَا خَاف مِنَ البطشِ بِهِ خلَّط وَتَبَالَه.

ثُمَّ سكنَ الثَّغْر مُدَّةً، ثُمَّ رَكِبَ البَحْر إِلَى المَغْرِب، وَقَدْ رَأَى أَنَّهُ شَرِبَ مَاءَ البَحْرِ مرَّتين، وَأَخَذَ يُنْكِرُ فِي الْمركب عَلَى النَّاسِ، وَأَلزمهُم بِالصَّلاَة، فآذَوْهُ، فَقَدِمَ المَهْدِيَّة (١) وَعَلَيْهَا ابْنُ بَادِيس، فَنَزَلَ بِمسجد مُعَلّق، فَمتَى رَأَى مُنْكرًا أَوْ خمرًا، كَسَر وَبَدَّدَ، فَالتفَّ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ، وَاشْتَغَلُوا عَلَيْهِ، فَطَلَبَهُ ابْنُ بَادِيس، فَلَمَّا رَأَى حَالَه، وَسَمِعَ كلاَمَهُ، سَأَله الدُّعَاءَ، فَقَالَ: أَصْلَحَكَ اللهُ لِرعيتك.

وَسَارَ إِلَى بِجَايَة، فَبقِي يُنكِرُ كَعَادته، فَنُفِي، فَذَهَبَ إِلَى قَرْيَة ملاَّلَة، فَوَقَعَ بِهَا بِعَبْدِ المُؤْمِنِ (٢) الَّذِي تسلطَن، وَكَانَ أَمْرَدَ عَاقِلًا، فَقَالَ: يَا شَابّ، مَا اسْمُكَ؟

قَالَ: عبدُ المُؤْمِن.

قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، أَنْتَ طَلِبَتِي، فَأَيْنَ مقصِدُك؟

قَالَ: طلبُ العِلْم.

قَالَ: قَدْ وَجَدْتَ العِلْمَ وَالشَّرَفَ، اصْحَبْنِي.

وَنظر فِي حليته، فَوَافَقَتْ مَا عِنْدَهُ مِمَّا قِيْلَ: إِنَّهُ اطَّلع عَلَى كِتَابِ الجَفْرِ (٣) - فَاللهُ أَعْلَمُ - فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قَالَ: مِنْ

(١) مدينة محدثة بساحل إفريقية بينها وبين القيروان ستون ميلا، والبحر محيط بها من جهاتها الثلاثة، بناها عبيد الله الشيعي الخارج على بني الأغلب، وهو سماها المهدية نسبها إلى نفسه، وكان ابتداء بنيانها في سنة ثلاث مئة " الروض المعطار ": ص ٥٦١.

(٢) عبد المؤمن بن علي القيسي المتوفى ٥٥٨ هـ، وسترد ترجمته في الجزء العشرين برقم (٢٥٤) .

(٣) الجفر بفتح الجيم وسكون الفاء من أولاد المعز: ما بلغ أربعة أشهر، والمراد هنا جلد المعز الذي كتب فيه، وهذا الكتاب يزعم الامامية أن جعفر الصادق رحمه الله كتب لهم فيه كل ما يحتاجون إليه، وكل ما سيقع ويكون إلى يوم القيامة، وكان مكتوبا عنده في جلد ماعز، فكتبه عنه هارون بن سعيد العجلي رأس الزيدية، وسماه الجفر باسم الجلد الذي كتب فيه، وهذا زعم باطل، فإن جعفرا الصادق كجده أمير المؤمنين لا يعلم الغيب، وقد ثبت عن جده أمير المؤمنين أن رسول الله ﷺ لم يخصه بشيء من دون أصحابه كما =

سير أعلام النبلاء - ط الرسالة · الجزء ١٩ · الصفحة ٥٤٢

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سير أعلام النبلاء - ط الرسالةج ١٩ · ص ٥٤٢