تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَكَانَ بِبَغْدَادَ قَوْم يُسَمُّونه المُصْطَلم، وَبِالبَصْرَة المُحيّر، ثُمَّ كثرتِ الأَقَاويلُ عَلَيْهِ بَعْد رُجُوعه مِنْ هَذِهِ السَّفرَة، فَقَامَ وَحَجّ ثَالِثًا، وَجَاور سَنَتَيْنِ، ثُمَّ رَجَعَ وَتَغَيَّر عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ فِي الأَوَّل، وَاقتنَى العَقَار بِبَغْدَادَ، وَبنَى دَارًا، وَدَعَا النَّاس إِلَى مَعْنَى لَمْ أَقف عَلَيْهِ، إِلاَّ عَلَى شطر مِنْهُ، ثُمَّ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشِّبلِيِّ وَغَيْره مِنْ مَشَايِخ الصُّوْفِيَّة، فَقِيْلَ: هُوَ سَاحر.

وَقِيْلَ: هُوَ مَجْنُوْنَ.

وَقِيْلَ: هُوَ ذُو كَرَامَات، حَتَّى أَخذه السُّلْطَان.

انْتَهَى كَلاَم وَلده.

وَقَالَ السُّلَمِيُّ: إِنَّمَا قِيْلَ لَهُ: الحَلاَّج لأَنَّه دَخَلَ وَاسطًا إِلَى حلاَّج، وَبعثَه فِي شُغل، فَقَالَ: أَنَا مَشْغُوْل بِصَنْعَتِي.

فَقَالَ: اذهبْ أَنْتَ حَتَّى أُعينك، فَلَمَّا رَجَعَ وَجد كُلَّ قُطْنٍ عِنْدَهُ محلوجًا.

قَالَ إِبْرَاهِيْمُ بنُ عُمَرَ بنِ حَنْظَلَة الوَاسِطِيُّ السَّمَّاك، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ:

دَخَلَ الحُسَيْنُ بنُ مَنْصُوْرٍ وَاسطًا، فَاسْتقبله قَطَّان، فَكلَّفه الحُسَيْنُ إِصْلاَح شغله وَالرَّجُلُ يتثَاقل فِيْهِ، فَقَالَ: اذهبْ فَإِنِّي أُعينك.

فَذَهَبَ، فَلَمَّا رَجَعَ، رَأَى كُلَّ قُطْن عِنْدَهُ محلوجًا مندوَفًا، وَكَانَ أَرْبَعَةً وَعِشْرِيْنَ أَلْفَ رَطْل.

وَقِيْلَ: بَلْ لتكلُّمه عَلَى الأَسرَار.

وَقِيْلَ: كَانَ أَبُوْهُ حلاَّجًا.

وَقَالَ أَبُو نَصْرٍ السَّرَّاج: صَحِبَ الحَلاَّجُ عَمْرو بنَ عُثْمَانَ، وَسرقَ مِنْهُ كتبًا فِيْهَا شَيْءٌ مِنْ علم التصوُّف، فَدَعَا عَلَيْهِ عَمْرو: اللَّهُمَّ اقطَعْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ.

قَالَ ابْنُ الوَلِيْدِ: كَانَ المَشَايِخُ يَسْتَثقلُوْنَ كلامَه، وَينَالُوْنَ مِنْهُ لأَنَّه كَانَ يَأْخذ نَفْسَه بِأَشيَاء تُخَالف الشَّريعَة، وَطَرِيْقَة الزُّهَّاد، وَكَانَ يدَّعِي المحبَّة للهِ، وَيظهر مِنْهُ مَا يخَالف دعوَاهُ.

قُلْتُ: وَلاَ ريبَ أنَّ اتِّبَاع الرَّسُول - ﷺ - علمٌ لمحبَّة الله لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُم تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُوْنِي يُحْبِبْكُم اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُم ذُنُوبكُم﴾ [آل عِمْرَان:٣١] .

سير أعلام النبلاء - ط الرسالة · الجزء ١٤ · الصفحة ٣١٦

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سير أعلام النبلاء - ط الرسالةج ١٤ · ص ٣١٦