الحَدِيْثِ، فَدَخَلْتُ إِلَى بَعْضِ المُدُنِ، فَصَادَفْتُ بِهَا شَيْخًا، احْتَجْتُ إِلَى الإِقَامَةِ عَلَيْهِ للاستِكْثَارِ عَنْهُ، وَقَلَّتْ نَفَقَتِي، وَبَعُدْتُ عَنْ بَلَدِي، فَكُنْتُ أُدْمِنُ الكِتَابَةَ لَيْلًا، وَأَقْرَأُ عَلَيْهِ نَهَارًا، فَلَمَّا كَانَ ذَات لَيْلَةٍ، كُنْتُ جَالِسًا أَنْسَخُ، وَقَدْ تَصَرَّمَ اللَّيْلُ، فَنَزَلَ المَاءُ فِي عَيْنِيَّ، فَلَمْ أُبْصِرِ السِّرَاجَ وَلاَ البَيْتَ، فَبَكَيْتُ عَلَى انقِطَاعِي، وَعَلَى مَا يَفُوْتُنِي مِنَ العِلْمِ، فَاشْتَدَّ بُكَائِي حَتَّى اتَّكَأْتُ عَلَى جَنْبِي فَنِمْتُ، فرَأَيْتُ النَّبِيّ -ﷺ- فِي النَّوْمِ، فَنَادَانِي: يَا يَعْقُوْبُ بنُ سُفْيَانَ! لِمَ أَنْتَ بَكَيْتَ؟
فَقُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ! ذَهَبَ بَصَرِي، فَتَحَسَّرْتُ عَلَى مَا فَاتَنِي مِنْ كَتْبِ سُنَّتِكَ، وَعَلَى الاَنقِطَاعِ عَنْ بَلَدِي.
فَقَالَ: أُدْنُ مِنِّي.
فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَأَمَرَّ يَدَهُ عَلَى عَيْنِيَّ، كَأَنَّهُ يَقْرَأُ عَلَيْهِمَا.
قَالَ: ثُمَّ اسْتَيْقَظْتُ فَأَبْصَرْتُ، وَأَخَذْتُ نُسَخِي وَقَعَدْتُ فِي السِّرَاجِ أَكْتُبُ (١) .
قَالَ مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ الفَارِسِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا رَجُلاَنِ مِنْ نُبَلاَءِ الرِّجَالِ، أَحَدُهُمَا وَأَجَلُّهُمَا (٢) يَعْقُوْبُ بنُ سُفْيَانَ أَبُو يُوْسُفَ يَعْجِزُ أَهْلُ العِرَاقِ أَنْ يَرَوا مِثْلَهُ رَجُلًا، وَذَكَرَ الثَّانِي: حَرْبُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ الكِرْمَانِيُّ، فَقَالَ: هَذَا مِنَ الكُتَّابِ عَنِّي (٣) .
أَبُو بَكْرٍ الإِسْمَاعِيلِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ دَاوُدَ بنِ دِيْنَارٍ الفَارِسِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوْبُ بنُ سُفْيَانَ، العَبْدُ الصَّالِحُ، بِحَدِيْثٍ سَاقَهُ.
الحَافِظ أَبُو ذَرٍّ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بنَ عَبدَانَ يَقُوْلُ: قَدِمَ يَعْقُوْبُ بنُ اللَّيْثِ الصَّفَّارُ - صَاحِبُ خُرَاسَانَ - إِلَى فَارِسَ، فَأُخْبِرَ أَنَّ هُنَاكَ رَجُلًا يَتَكَلَّمُ فِي عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ، وَأَرَادَ بِالرَّجُلِ يَعْقُوْبَ الفَسَوِيَّ، فَإِنَّهُ كَانَ يَتَشَيَّعُ، فَأَمَرَ
(١) انظر: تهذيب التهذيب: ١١ / ٣٨٦ - ٣٨٧.
(٢) في الأصل: " أحدهم وأجلهم ". وما أثبتناه من " التهذيب "
(٣) انظر تهذيب التهذيب: ١١ / ٣٨٧.