تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المُعْتَزِّ، فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُم.

وَجَلَسَ، وَلَمْ يُسلِّمْ عَلَيْهِ بِالإِمرَةِ، فَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ بَعْدُ يَقُوْلُ:

لَمَّا دَخَلتُ عَلَيْهِ، وَجَلَسْتُ، قَالَ مُؤَدِّبُه: أَصْلَحَ اللهُ الأَمِيْرَ، هَذَا هُوَ الَّذِي أَمَرَهُ أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ يُؤَدِّبُكَ وَيُعِلِّمُكَ؟

فَقَالَ الصَّبِيُّ: إِنْ عَلَّمَنِي شَيْئًا، تَعَلَّمتُهُ.

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: فَعَجِبتُ مِنْ ذَكَائِه وَجَوَابِه عَلَى صِغَرِه، وَكَانَ صَغِيْرًا.

وَدَامَتْ عِلَّةُ أَبِي عَبْدِ اللهِ، وَبَلَغَ المُتَوَكِّلَ مَا هُوَ فِيْهِ، وَكَلَّمَهُ يَحْيَى بنُ خَاقَانَ أَيْضًا، وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَجُلٌ لاَ يُرِيْدُ الدُّنْيَا، فَأَذِنَ لَهُ فِي الانْصِرَافِ، فَجَاءَ عُبَيْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى (١) وَقْتَ العَصْرِ، فَقَالَ: إِنَّ أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ قَدْ أَذِنَ لَكَ، وَأَمَرَ أَنْ يَفْرُشَ لَكَ حَرَّاقَةً (٢) تَنْحَدِرُ فِيْهَا.

فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: اطلبُوا لِي زَوْرَقًا أَنْحَدِرِ السَّاعَةَ.

فَطَلَبُوا لَهُ زَوْرَقًا، فَانْحَدَرَ لِوَقْتِهِ.

قَالَ حَنْبَلٌ: فَمَا عَلِمْنَا بِقُدُوْمِه حَتَّى قِيْلَ: إِنَّه قَدْ وَافَى.

فَاسْتَقبَلتُه بِنَاحِيَةِ القَطِيعَةِ، وَقَدْ خَرَجَ مِنَ الزَّوْرَقِ، فَمَشَيتُ مَعَهُ، فَقَالَ لِي: تَقَدَّمْ لاَ يَرَاكَ النَّاسُ فَيَعرِفُونِي، فَتَقَدَّمْتُهُ.

قَالَ: فَلَمَّا وَصَلَ (٣)، أَلْقَى نَفْسَهُ عَلَى قَفَاهُ مِنَ التَّعَبِ وَالعَيَاءِ.

وَكَانَ رُبَّمَا اسْتَعَارَ الشَّيْءَ مِنْ مَنْزِلِنَا وَمَنْزِلِ وَلَدِهِ، فَلَمَّا صَارَ إِلَيْنَا مِنْ مَالِ السُّلْطَانِ مَا صَارَ، امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى لَقَدْ وُصِفَ لَهُ فِي عِلَّتِهِ قَرْعَةٌ تُشوَى، فَشُويتْ فِي تَنُّورِ صَالِحٍ، فَعَلِمَ، فَلَمْ يَسْتَعمِلْهَا (٤)، وَمِثلُ هَذَا كَثِيْرٌ.

(١) ما بين حاصرتين من " تاريخ الإسلام ".

(٢) بفتح الحاء وتشديد الراء: السفينة الخفيفة، وكانت هذه السفن بالبصرة.

(٣) في " تاريخ الإسلام ": " فلما دخل ".

(٤) الخبر في " تاريخ الإسلام " ص ١١٢، ١١٣ وعبارته: " ... قرعة تشوى،

ويؤخذ ماؤها.

فلما جاؤوا بالقرعة، قال بعض من حضر: اجعلوها في تنور، يعني في دار صالح، فإنهم قد خبزوا. فقال بيده: لا. ومثل هذا كثير ".

سير أعلام النبلاء - ط الرسالة · الجزء ١١ · الصفحة ٢٧٢

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سير أعلام النبلاء - ط الرسالةج ١١ · ص ٢٧٢